المقالات

ظاهرة الإرهاب: الخلفيات المرجعية العالمية و تداعياتها الوطنية(2)

تقديم ملخص لما ورد في المحور الأول:   

رأينا في المحور الأول: ظاهرة الارهاب، الخلفيات المرجعية العالمية ب"أن الظواهر الإنسانية ظواهر واعية معقدة لا تقبل المقاربة الأحادية والاختزال،... والتبسيط... كما انها ظواهر مترابطة الحلقات عبر صيرورة الانسان التاريخية.."  .ومن خلال التحليل تتضح أهمية هذه القاعدة الذهبية. ولقد أجملنا عوامل صناعة الارهاب في

      1. جهود آدميين الدائم والمستمر لإخضاع النص الديني السماوي للرغبات الفردية أو الجماعية بآليتين: التحريف، والتأويل المتعسف والخاطئ 

      2. النتاج الفلسفي والفكري المتناقض المتضارب المتشعب، وحددناه في العناوين العريضة التالية:

· الفلسفات ورزمة الأفكار المنافحة المدافعة عن بورجوازية المترفين وامتيازاتهم 

· الأطياف الفكرية والفلسفات اللاأدرية العبثية اللاذاتية المستنبتة للشك والحيرة،  

· فلسفات الانفصام المتأرجحة بين الردة عن هذا الواقع المختل، والتجدد من خلال مرجعياته وآلياته

وكانت هذه الخلفيات المرجعية العالمية قواعد التأطير المعرفي والايديولوجي للممارسات الارهابية، كما أن لها تداعياتها وطنيا، كيف ذلك؟ 

المحور الثاني: تداعيات الخلفيات المرجعية العالمية للارهاب وطنيا:

       إن في اصطفافاتنا السياسية والايديولوجية والمعرفية والاقتصادية والفنية والاعلامية امتدادات لما بسط في المحور الأول.    

فخريطة المرجعية المعرفية، الأرضية الأساس للهوية الوطنية والقيم الحضارية، للأمة المغربية المتميزة بالتنوع، في ظل الوحدة والتكامل التي صانها الاسلام على مر قرون، عرفت اختراقات ممنهجة وإضعافا متزايدا لفائدة النتاج الفلسفي المغترب بعناوينه الثلاثة المبينة أعلاه ويستغل التنوع في خلق صراع التضاد. ولم تتبلور على الصعيد الوطني بورجوازية وطنية كطبقة وازنة (دون نفي الوطنية على آحادهم) إنما افرز واقع الاحتلال نخبة سارت في ركب التماهي  مع مصالحها حتى بعد الاستقلال والتمكين لها ايديولوجيا، وثقافة وفنا وإعلاما واقتصادا وتشريعا وقانونا. ويمكن اعتبارها القاعدة المتقدمة لضمان التبعية الفكرية والاقتصادية وتجديد آليات الاستنزاف وتكريس التخلف وضمان مصالح القوى الاستعمارية، ولذلك آثار سلبية في السياسة والاقتصاد، وبالتالي على الوضع الاجتماعي. ومما يؤشر على ذلك وصول الحالة الصحية للمغرب إلى لحظة الاعتراف الرسمي بوشك السكتة القلبية، نتيجة سياسات خلق الازمات ودحرجتها إلى الأمام. ونتمنى ونأمل أن تنجح الأغلبية الحكومية الحالية وعلى رأسها الحزب المشكل لها المشارك في الحكم، في مخالفة سياسة الدحرجة تلك، بإصراره على "الاصلاح و لو اسقطت الحكومة".

     كما لم تتبلور عندنا اشتراكية علمية تطور ذاتها من خصوصيات الأمة، بل صارت ليبيرالية الروح، تناطح الثوابت وقطعيات الدين، وباعت الأثاث المتبقية في الدار، واستخلصت فواتير أخطائها وخياراتها السياسية في "الحرب الباردة" إنصافا ومصالحة. ثم دحرجت بدورها الأزمة إلى الأمام. وعملت في مشرحة الديالكتيك على إسقاط مفاهيم الصراع الطبقي على واقع هش ومخالف لأبسط أبجديات مرجعيتها الفلسفية وقرأت تاريخ الأمة بقوالب جاهزة وقواطع حادة.  

كما أن اسلاماويين نصيين(وليس المسلمين ولا الاسلاميين)زادوا الطينة بلة بحيث تجد في مرجعيتهم الفكرية، والتصورية المسحة الدينية مشبعة باجتهادات محدودة زمانا ومجالا بنكهة فكر وافد واعراف وتقاليد قوم آخرين حتى على مستوى الخطاب، وقضاياهم المطروحة ليست لها أولوية حتى فئويا أفبالأحرى وطنيا (فاسلوب الخطاب ل"داعية مصري" والمنهج "وهابي سعودي"، ولباس الذكور باكستاني، ولباس الإناث "تشادور" ايراني!! وكأن "اللحاف" و " لزار" أو الجلباب المغربي الاصيل ليست لها مندوحة في الستر والحشمة. وهذه غربة ذاتية لا صلة لها بالغربة التي وردت في الحديث النبوي الشريف."

       لكن ما علاقة هذا البسط النظري بظاهرة الارهاب والعنف؟؟؟

إن التشردم المرجعي، واختراق وتجاوز هوية الأمة، بخيارات إلحاقية تبعية استلابية، مشاكسة ومعاكسة  لمقوماتنا الحضارية أفرزت كيانات ايديولوجية وأمزجة فكرية( لبيرالية، يسارية، اسلاماوية) سهلة التوظيف للتناقض والصراع وبالتالي القابلية لممارسة الارهاب. وبالمثال يتضح المقال: فعندما تطرف الكاتب العام للاتحاد الاشتراكي في خيار الهجوم على قطعيات الدين، تطرف أبو النعيم في الحكم عليه، وفي جبهة كل منهما من له الاستعداد للقتل والاقتتال ( اغتيال الطالب الحسناوي بجامعة فاس من قبل تيار قاعدي، وضبط خلايا ارهابية ذا صلة بالسلفية الجهادية).     

   وعندما نسمح بالتطرف في مهرجان "موازين" بالخروج على الناس ب"المايو"، وفي الأفلام المدبلجة، والسهرة لهم، والبرامج المستنسخة "لسطارات"و... تماهيا مع نزوة الفلسفة اللذاتية الغرائزية سنجد من يتطرف في اتجاه تشادور ايران، ويتمترس بطروحاتها التشيعية، أو يتوكأ على جدار الدواعش كي يواجه تطرف التمييع والمجون والانحلال والتجارة في الرقيق بتطرف مناقض مساو للتطرف الأول في الآثار أو يزيد. هذا يتطرف في تجييش الشهوات والرغبات حتى تقطع أوصال المجتمع وذلك يحد من الشهوات والرغبات إلى حد الاختناق.

   وعندما لا ننظر إلى الصحراوي أو الدكالي أو الأمازيغي أو المراكشي أو الريفي أو السوسي أو اليهودي الوطني أو... إلا من زاوية الشيخات و الفلكلور والطقوس، فإن تمساحة الإرهاب تضع بيضها في ركن من أركان هذا الوطن.

   وإذا تركنا المؤسسات المالية توغل في استنزاف ثروة المواطنين بخيار تمويلي وحيد، إجبارا لكل الفئات والحساسيات، وتضمن أرباحها وزيادة حتى في أشد الأزمات، أو بتقديم خدمات بطرق غير شفافة، وتكون مثلا عقود الاستدانة وشروطها لمرتفقيها، بلغة أجنبية لا يفهمها كثير من المتمدرسين أو بالأحرى أكثر من70% من الأميين، وبخط تعجز العين المجردة على فك طلاسيمه، فلا تستغرب أن تجد بائع عصير الليمون أو استكافي أو أي حرفي في بحر البطالة المقنعة، عضوا في خلايا التنظيمات الارهابية العالمية.

 وإذا تركنا مؤسسات إنتاجية ترفع سعر منتوجها وقت ما تشاء وبما تشاء، و المؤسسات المدبر للماء والكهرباء تستخلص من المواطنين وقت ما تشاء و كيفما تشاء وبالسعر والتقدير الذي تشاء، بتوظيف سياسوي فإن جذوة الارهاب تتقد بهدوء تحت الرماد في زاوية من زوايا هذا الوطن .

    ولا تستغربوا أن قرية صغيرة(نفس التقاليد واللغة وبساطة العيش، وتقارب المستوى الاجتماعي والفكري)بوطننا خرجت صنفين من الشبان في تناقض تام: المغامرون مع مافيا المخدرات بايطاليا في موضة الحريك، والمغامرون مع دواعش سوريا والعراق، في زمن الرجة العربية!!!؟

    واقتباسا من المدرسة البنيوية، فإن المغرب بنية تضم كيانات عبارة عن عناصر تجمعها ترابطات فإذا اختل عنصر اختلت البنية برمتها. أو كأرجوحة أطفال :خشبة توضع من وسطها على جسم صلب، فإذا ضغط أحدهما هبوطا، في الغلو الشهواني الغرائزي، علا الآخر في  تجريدات التعصب الروحاني، وإذا هبط الذي علا إلى تشذيب  تجريده الروحي تحت اكراهات الواقع، علا الذي كان هابطا في مصاعد "المواثيق الدولية" وتشبت بسموها عن قوانين بلده... وتبدأ الاستعدادات للمواجهة والاقتتال.

       ثم إنه حينما تحاصر حساسية اجتماعية في الزاوية، تحكما وضغطا، وسحبا للبساط من تحتها، بتجويف مطالبها الحقيقية وبعض خياراتها المشروعة، بإفراغها من الداخل، فإنها ستبحث في معارض الأفكار والتنظيمات الشاذة عما تبرر وتعزز به تواجدها وكينونتها وتقوي ردة فعلها ولو كانت إجراما، ولا تستغرب أن تستدعى(بضم التاء) الاختلافات الإقليمية والدولية إلى أرض الوطن. أو تعلو مطامع الصهيونية العالمية في ثنايا مطالبهم وحاجاتهم.

       إن الفكر الوسطي المعتدل من كل المشارب الفكرية ضمانة فعلية وناجعة للتقارب والتشارك والتعايش السلمي، وإن التطرف في أحد الأبعاد والاتجاهات مأساة واي مأساة.

       وإن الاسلام في صفاء تعاليمه الربانية (قرآنا وسنة) لهو الضمانة الحقيقية لترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، بل وحاميها حتى في أوساط مخالفيه، واضعا لذلك إجراءات تربوية وأخلاقية وقواعد عامة في السياسة والاقتصاد والاجتماع فاسحا المجال للابتكارات والمهارات الانسانية في مجال المعاملات الانسانية بكل تشعباتها تحت قاعدة :" الأصل في الأشياء الإباحة".

وهذا موضوع يحتاج إلى مدراسة وتحليل في فرصة أخرى.

    تم بحمد الله وحرر بتاريخ:24 نونبر2014

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع