المقالات

مناهضة العنف والارهاب أية استراتيجية: رؤية مقارنة بين القانون و الايديولوجيا والاسلام( 2)

بسم الله الرحمن الرحيم

رأينا في المقاربة الأولى من نفس العنوان أن" الاجراءات الاستباقية والاحتياطات المسبقة، برؤية استشرافية توقعية شمولية مؤسسة على المعرفة العميقة بالنفس البشرية، المنطلق الأساس لبناء استراتيجية سليمة لحماية المجتمع من الجريمة عموما ومن العنف والارهاب خصوصا".

وخلصنا أن القوانين في السياسات الجنائية والقوانين الطارئة، ذات إجراءات بعدية للفعل الجرمي، ولا تكتسب مؤهلات الرؤية والتدخل الاستشرافي ـ الاستباقي. ويبقى الدين و الايديولوجيات المرشحين لتقديم الحل الاستباقي المتمثل في التنشئة الاجتماعية على مستوى البناء النفسي والتأهيل السلوكي.

والمراجع الفكرية التي تولد العنف وتؤسس للصراع لطبيعتها وبشكل آلي، لا يمكن أن تقدم حلا استراتيجيا للإرهاب. فالفكر الليبرالي لا يؤسس للتوازن والعدالة، بقدر ما يعطي انطلاقة سباق"دعه يعمل دعه يسير" لغير المتكافئين والمتغايرين، مما يوسع الهوة، و ينشأ نظاما استعباديا استغلاليا، وبالتالي يبدأ الصراع بين أرباب وحماة المصالح المتضخمة وبين ضحايا الوضع غير المتزن وغير العادل.

ثم تطور الأمر إلى الرأسمالية الاجتماعية، وظهور ايديولوجية البروليتارية الحمراء، والمواجهة بين الشرق الاشتراكي والغرب الليبرالي. و لا زال العالم يبحث عن التوازن والعدل. وخلاصة فالايديولوجيات المنتجة لعدم التوزان وللاستغلال، والمولدة للعنف عقيدة كرد فعل وبشكل تلقائي لا تستطيع إنهاء ومناهضة العنف والإرهاب، بل العنف والارهاب نتيجة حتمية لطبيعة المنشأ الايديولوجي وآلية اشتغاله.

وقرئ الاسلام في العالم العربي من زاويتي المرجعتين . وأفرزت القراءة صورتين نمطيتين مزيفتين عن الاسلام: صورة تزين الخبث والقبح وصورة ارتدادية مليئة بالحقد والكراهية بمسوح الثورية. كل ذلك في تعسف سافر عن النص القرآني والحديثي في مصدريته ومقاصده وآلياته.

وقرئ الاسلام أيضا من زاوية تراثية مغرقة في أشكال وإشكالات الماضي، رغم أن القرآن يسطر كل سنة في ليلة القدر الدلالات السيميائية لنزول الوحي جملة إلى السماء الدنيا، ثم مفرقا حسب الأحداث و الوقائع إلى واقع الناس. هذا الاستحضار التجديدي والتحديثي لتنزيل الأحكام وفق المستجدات كل سنة، أكبر عملية ملائمة وتكييف للأحكام على الوقائع، في حياة البشر، ولذلك جزاء ليلتها"خير من ألف شهر". لكن البشر سرعان ما يحولون العبادات إلى عادات وتقاليد وبالتالي إلى انغلاق فئوي، ثم إلى يافطات للصراع، وإلى فكر انسحابي تضليلي يناقش حرمة الحلزون و علاقة الجزر بالجنس ولا يناقش مثلا الاستبداد وأثره على سيكولوجية المقهور!!!

وبعيدا عن كل تلك القراءات و الخلفيات التي تحور التعاليم الاسلامية لخدمة الأجندة، ماهي أهم المرتكزات الاسلامية لمناهضة الجنوح إلى الجريمة و العنف والارهاب؟  

" يمكن إجمال المنطلقات الأساسية من خلال استقراء متواضع، لا ندعي فيه الشمول، لمنهج التجريم وتأصيل العقوبات في الشريعة الإسلامية فيما يلي:

1.   قوة الردع وآلية تكثيفها وتشديدها:

وهي مطلوبة لتحقيق مكافحة الجريمة، كآلية وقائية وحمائية للمجتمع من تفريخ الجريمة بل وتحجيم مجرد التفكير فيها كخيار "للمصالح" أو كاسترداد للحقوق غصبا أو كانتقام يشفي الغليل.

والشريعة تميل لتحقيق قوة الردع بجعل مناط العقوبة على الأبدان في أهم العقوبات (النفس بالنفس، حد السرقة، حد الزنا،حد شرب الخمر، حد قذف المحصنات.... لأن الناس أكثر استعدادا لدفع الأضرار عن الأبدان منه عن غيرها. ولكون محل الحكم منضبط في جميع الأحوال وفي كل التباينات الإجتماعية. كما يضمن عدم تضارب الأحكام في النازلة الواحدة، ويضع حدا للاستعمال السيئ لظروف التخفيف والتشديد.

ثم لا بد من التأكيد أن الشريعة تقوم بعملية  التكثيف والزيادة في قوة الردع عن طريق مسار غير مسار التشريع وهو المسار الإعتقادي النفسي فلم تقف عند حد عقوبة النفس بالنفس مثلا وإنما زادت" ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا أليما" سورة النساء الآية92 إضافة إلى كل صور التنكيل والعذاب في الدار الآخرة للزناة والمخمورين والظالمين والمفسدين والمنتهكين للأعراض والأسرار وخائني الأمانات و المخلي بالمسؤوليات ...الخ والتي  لا يسمح المقام لبسطها هنا.

ونستنتج من خلال هذا كيف تتكامل وتتناغم سياسة التجريم تشريعا والبعد الأخروي الغيبي عقيدة لإنتاج قوة الردع بجودة أعلى، وذلك من خلال التنئشة التربوية الاجتماعية بما يلي :

2.    المجهود التربوي العقدي الإستباقي المرتكز على طاعة من لا تاخذه سنة ولا نوم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وشدة عقابه عن الجرائم والآثام وجزيل عطائه عن الإندماج الايجابي في الحياة العامة واستباق الخيرات.

3. توليف المسببات والمقدمات المفضية إلى الجريمة برزمة من الموانع الأدبية والأخلاقية، وربط قبول القربات والعبادات بمدى تحسن وايجابية علاقة الفرد بمحيطه:إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل بها على خلقي ورحم المرأة ورحم اليتيم والمسكين" حديث  قدسي. والنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكرت عنده امرأة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وقيامها(النوافل) ولكن تؤذي جيرانها قال: هي في النار والأقل منها تعبدا لكن تتصدق بالجبن قال: هي في الجنة.

4.  تناسب العقوبة مع الفعل الجرمي، فلا يكون التخفيف في غير محله ولا التشديد في غير موطنه ، ولا تكون العقوبة أهون من الجرم.

5. التماثل بين العقوبة والفعل الجرمي: وهنا تكمن قمة العدل والإنصاف ليس للضحية فحسب ولكن للجاني نفسه فلا تتجاوز العقوبة في آثارها آثار الجريمة وعواقبها. إن مبدأ التماثل أعلى مراتب العدالة والإنصاف للضحية ،إذ هناك جرائم لا تجبر بتعويض أو سلب حرية، ولا تنصف الضحية إلا بالتماثل " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأذن بالأذن و السن بالسن والجروح قصاص" ومجرد إقراره يحقق الردع بقوة ويحقق الأمن الإجتماعي وهو المقصد من كل السياسات الجنائية ،وفي هذا ضمانة إلهية " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" عكس ما يتصوره البعض من أنه يشل المجتمع.

6.لا إنسانية في جرم وبالتالي فلا تساهل في عقوبة ولا مجال لإفراغها من قوتها الردعية بدعوى الأنسنة مع التشديد على ضرورة توفير شروط المحاكمة العادلة" و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ،إن كنتم تومنون بالله و اليوم الآخر." سورة النور الآية2.  

7. تسهيل ولوج المواطنين للتشريعات الجنائية كضمانة حمائية لها، فلا يضيع الحق والعدل في الغرف الموصد أبوابها والمواد العسير فهمها: فالعقوبات في الشريعة نصوصا يتعبد بها تلاوة و يجازى على ذلك بكل حرف حسنة. وفي هذا تعميم للمعلومة الجنائية ،وبذر قدسيتها في النفوس مما يسهل عملية الانضباط و يسهل إجراءات التنفيذ.

 خلاصات :

   تتميز الشريعة الاسلامية بعدة مميزات أهمها :

· القدرة على تحقيق قوة الردع بعمق ،وضمان التكثيف والزيادة فيها بمسارعقدي أخروي.

· القدرة على الحفاظ و ضمان قوة الردع، بعكس القوانين الوضعية، باستثمار العائد العقدي والتربوي التعبدي والأخلاقي في رزمة متكاملة ومنسجمة في محصلة السياسة الجنائية مما يخفف عنها العبء، ويزيح عن كاهلها التعقيد. في حين أن الوضعي يعاني من تضارب جميع المسارات الأخرى السالفة الذكر وعدم انتظامها في سياق تكاملي مع السياسة الجنائية بل منتجة في كثير من الأحيان للعوائق.

· إعطاء ديناميكية أكبر للسياسة الجنائية في العمق الإجتماعي من حيث تعميم المادة الجنائية في قدر كبير منها باعتبارها قرآنا يتلى آناء الليل وأطراف مع التأكيد على أهمية التدبر"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"الآية  وجزيل العطاء بكل حرف حسنة ...." عن مقال السياسة الجنائية رؤية مقارنة لعزيز المردي

                                    وتم تحريره بحمد الله بتاريخ 3ربيع الأول 1436

                                                                   26دجنبر 2014

 

 

 

 

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع