المقالات

فرنسا وجنايةُ "براقيش"

"لا داعي مطلقا، ولاَ مشروعية مطلقة للعدوان من جانبنا والعنف وحجز الرهائن. ليكن الرفقُ سِمَتَنا الواضحة وشارتنا البائحة. وستمـرُّ رَدّة الفعل الكارهة لنا التي أحيت عندهم العِداء الموروث الصليبـي، فلا يجدون ولا نجد إلا ضرورة التساكن في هذا الكوكب، وضرورة التحاور، وضرورة احترام قانون دولي هو اليوم من صنعهم وفي صالحهم، ونفرض غدا، غد القوة بحول الله، تحويـرَه ليكون في صالح الإنسانية المستضعفة. فتأثيـرنا في سياسة العالم وفي الأخلاقية الدولية رهن بما نأتي به ومعنا حجة النجاح النموذجية من براهين الرفق والعزيمة، مجتمعين". (*)

 وفر حادث الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية، قبل أسبوع فرصة ذهبية للمتطرفين رافضي التعايش والتقارب بين الحضارات لشحذ سيوفهم وتجديد دعواتهم ألا تقارب أو تعايش مع الوافدين على أقطار أوروبا التي يجب ـ حسب تصورهم ـ أن تكون خالصة لذوي البشرة الشقراء والعيون الزرقاء، ما لم يَصْبأوا.

فـي فرنسا، انتعش الخطاب السياسي المتطرف وغدت دعوته الشهيرة "فرنسا للفرنسيين" تستقطب قاعدة معتبرة من الجمهور الفرنسي، مكنت مرشحه من خوض غمار رئاسيات فرنسا الأخيرة؛ خطاب إقصائي وقاموس تحريضي لا تخطئه العين بدأ يترجم مشاريع قوانين للتضييق على مسلمي أوروبا بدعوى محاربة الإرهاب.

فرنسا التعايش والتسامح، تباهت قبل حوالي عقد ونصف من الزمن بظفرها بكأس العالم في كرة القدم بفريق شكل فيه الفرنسيون عرقيا أقلية؛ فرنسا الحرب العالمية الثانية تخلصت من ذل الاحتلال النازي ببسالة جيش عماده وقطب رحاه مجندون من المستعمرات الإفريقية؛ فرنسا كغيرها من الدول الأوروبية بنت صرح رقيها ووفرت لشعبها رغد العيش ـ وما تزال ـ بمقدرات بلدان من تتقزز اليوم من منظومة قيمها؛ فرنسا كغيرها من البلدان الغربية تتضايق من ذوي الأصول المهاجرة وتستكثر عليهم الإقامة في بلدان تفانوا في بناء صرح ازدهارها وتصدوا لحرف وأعمال لم تطقها أنفة الأوروبي، ولا تتوانى اليوم في توظيف أحفادهم وقودا لتبرير مخططاتها الهيمنية، مثلما لا تستحيي من استثمار تهميشهم لكسب الاستحقاقات الانتخابية.

"فرنسا للفرنسيين"، ونردد معهم: "أوروبا للأوروبيين"، ولكن، واحتراما لنفس المنطق، يجب أن تكون إفريقيا للأفارقة: امتلاكا للقرار السياسي واستثمارا للموارد وترسيخا للتعاون بين أقطارها، دون مصادرة للقرار السياسي بفرض حكام وكلاء لأوروبا الاستعمارية ضمانا لاستمرار نهب مقدرات الشعوب الإفريقية: خشب ومعادن ومحاصيل فلاحية، ثم أسواق لمصنعاتها ومقابر لنفايات مصانعها الكيماوية والنووية.

فرنسا اليوم، تقود حملة إشاعة الكراهية والعداء بين الشعوب، متنكرة لشعارات ثورتها، فتتورط في حرب إبادة المسلمين بإفريقيا الوسطى، وتتورط في إذكاء الاقتتال الداخلي بمالي ضمانا لاستحواذها على أورانيوم ينعش ماكينتها الاقتصادية.

فرنسا، كغيرها من البلدان الأوروبية تناصب العداء للإسلام والمسلمين، لا تفوت فرصة تغازل فيها اللوبي الصهيوني، وترضـى بتعطيل عقلها المتنور، فلا تقبل ـ ولو افتراضا ـ التشكيك في أكذوبة الهولوكوست، وتسـنُّ قانون معاداة السامية لتقطع الطريق على المشككين في هذه المزاعم، كما قطعت طريق البحث والتدقيق في خبايا الاعتداء على الصحيفة بقتل المشتبه فيهما.

فرنسا كغيرها من بلدان الغرب خططت لاحتلال أرض فلسطين وتهجير سكانه وتدنيس مقدساته وطمس حضارته وضمان بقاء المدللة "إسرائيل" ورما خبيثا في جسم الأمة العربية الإسلامية يحول دون وحدتها أو اجتماع كلمتها وتوحيد صفها.

فرنسا كغيرها من بلدان الغرب، تآمرت على الثورات العربية وشاركت في الانقلاب عن الشرعية في مصر، وحرفت مسار التغيير في أكثر من بلد عربي: اليمن، سوريا، ليبيا،... انسجاما مع الطبيعة الاستكبارية القائمة على تحقير الآخر، ليس من حقها أن تعطي للعالم شعوب جنوبه تحديدا دروسا في التعايش والتسالم، لأن "حضارتها" تأسست على إبادة الشعوب واسترقاقها ونهب ثرواتها.

فرنسا وعموم الغرب اليوم، يلعب بنار بث الكراهية ستكون بلدانه أول المحترقين بها، فيغامر بأمنه واستقراره، مثلما قد يغامر بمصالحه الحيوية في العالم بإذكاء النعرات هنا وهناك. ومن كان بيته من زجاج، فمن الغباء أن يبادر بقذف غيره بالحجارة، وإلا سيجني على بيته/استقراره وأمنه ومصالحه، كما على نفسها جنت يوما براقيشُ.

ترى، هل سينتصر خطاب العقل والاعتدال تصويبا للمسار وتأسيسا لحوار حضاري حقيقي يرسخ التعايش ويوفر بيئة سليمة معافاة من الكراهية والتباغض ويدشن عهدا جديدا للتعاون البناء على أساس الاحترام المتبادل، أم يستسلم الجميع لتيار جارف ينذر بالمزيد من التوتر والصراع يدفع المستضعفون فاتورته أرواحا وحرية واستقرارا؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) "العدل: الإسلاميون والحكم" للأستاذ عبد السلام ياسين. ص:429،430.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع