المقالات

بزبوز الطنز: نحن والتراث

خلف الأجداد تاريخا يتبول عليه الأبناء والأحفاد كل يوم، علهم يقطعون حبلا سريا يزيد من غربتهم اليومية، ويمحون ذاكرة عصية تلفح أذهانهم بصنوف المعاناة والانفصام بين الماضي والحاضر، وهو فعل مشوب بإحساس ملموس بأن الحاضر ليس كما ينبغي أن يكون عليه.

خلف الأجداد معالم مازالت تعانق بقاياها أعمدة دخان المعامل والمصانع بكبرياء مجروح، معالم أضحت تتقلص أمام زحف غول الإسمنت وجشع مقاولي البناء.

معالم تنشد لحظة المجد التليد المحفور في أكف الحناء، وفي نسمة الهواء، وفي لون التربة وصفحة السماء.

معالم يزيد في وحدتها القاتلة غياب زوارها من بني جلدتنا الذين شيدت من أجلهم، ومن أجل حمايتهم، ترقب بأعين التجاعيد ترميما ترصد له ملايين الدراهم ولا يصلها منه إلا النزر القليل.

معالم وقصبات عبارة عن هياكل بلا روح، تشققت جدرانها، وتصدعت أركانها، ومازالت صامدة منذ قرون تصارع من أجل البقاء كعنصر من عناصر الذاكرة.

وفي المقابل تؤكد لنا أنه لا يمكن لأي أمة أن تتقدم أو تفكر في المستقبل بمعزل عن تاريخها الحضاري المجيد الحافل بعبق الذكريات.

وعوض أن تكون هذه المعالم التاريخية رمزا ثقافيا وفنيا وحضاريا تحولت إلى أوكار للحمام البري، وذاكرة سائرة بخطى تدريجية إلى الانهيار وغياهب النسيان ترزح تحت وطأة إهمال لا يخفى على عين.

معالم أصبحت مراحيض مفتوحة يقضي فيها المارة حوائجهم الطبيعية دونما اكتراث.

معالم قاومت غزوات الريح والشتاء والشمس لكنها لم تستطع مقاومة احتقار أهلها، فانسحبت ببطء إلى زوايا الكتب والمجلات تاركة الساحة لعلب الاسمنت التي شيأت الانسان وعلبته.

معالم تنشد من القيمين التفاتة قوية وادراكا لاهميتها في مجتمع تنخرعظامه كماشة الأمية والجهل ويعدم الحس الجمالي على قارعة البشاعة عشرات المرات تحت ضغط كماشة اليومي والجري وراء رغيف الخبز

فقديما لجأ الشعراء إلى الأطلال يبكونها ويعبرون من خلالها عن تعلقهم وحبهم لوطنهم... بينما يهرب شبابنا اليوم بمـآسيهم وهمومهم من حاضرهم وماضيهم ليعيشوا مأساة من نوع آخر تسودها الحيرة والمجهول وفقدان الانتماء إلى الجماعة في زمن ما أحوجنا أن نردد فيه قول الشاعر:

 بلادي وإن جارت عليّ عزيزة       وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام

لا نريد أن نتعامل مع الماضي مقارنة مع الحاضر كقصة بائسة وحزينة تزيد من مأساتنا، كما يحدث اليوم لدولة مثل اليونان التي عرفها العالم قديما مهد الحضارة والتاريخ الغربي بأسره ومنبع الديمقراطية والفنون والفلسفة، بل كالصين التي عرفناها بالأمس أمة عظيمة انجازاتها مست جميع المجالات من خلال علاقتها بالماضي التي تقوم على الفخر والاعتزاز والاستفادة منه للبناء عليه.

عبد الحكيم سمراني

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع