المقالات

جماعة العدل والإحسـان وسـؤال المشاركة السياسية.

كثيرا ما تُتهَم جماعة العدل والإحسان بعدم المشاركة السياسية والتهرب من التدافع الميداني وإخضاع رؤيتها السياسية للتجريب، ومن المتهمين من يشكك في توفر الجماعة ـ أصلا ـ على برنامج سياسي.

بداية، من حق المتتبع أن يتساءل عن سر هذا الاهتمام والإصرار عن ولوج الجماعة حلبة التباري الانتخابي، أهو ضرورة أمْلاها فراغ سياسي، في واقع يشكو تخمة أحزاب عددا؟ أم هو إقرار بقوة وتميز خطاب العدل والإحسان السياسي ونجاعة مشروعها التغييري؟ ولماذا كل هذا العزوف من طرف الجماعة عن خوض غمار التنافس في الاستحقاقات الانتخابية، لا سيما وهي تتوفر على قاعدة بشرية لا تتردد في استنفارها في مناسبات متعددة؟

يروم هذا المقال تسليط الضوء عن المشاركة السياسية مفهوما وتصريفا أو ممارسة، جوابا على: ما هي المشاركة السياسية؟ وكيف السبيل لتقييمها ورصدها؟ وهل المشاركة السياسية تُختزل في المواسم الانتخابية؟ ولماذا لا تواجه الأحزاب التي تقاطع استحقاقا انتخابيا في دول ديمقراطية بهذه التهمة؟

يُعَـرّف العمل السياسي بكونه فعلا متنوعا ومتكاملا مؤثرا في الواقع، من خلال إطار تنظيمي قائم على مؤسسات تضطلع بوظائف إعداد البدائل بعد رصد الواقع وتشخيصه والتأهيل والتأطير وتخريج كفاءاتٍ وأطر تسير في المجتمع بنموذجيتها السلوكية والعملية، وتشعّ بمواقفها ومعانقتها همومَ الشعب في نشر الوعي وتطوير منسوبه باطراد توفيرا لشروط التغيير، من خلال أدوات/ أجهزة، منها: النقابات، الهيئات القطاعية، الجمعيات، الإعلام...

في كلمة واحدة، العمل السياسي حضور مجتمعي لا تخطئه العين يرتكز على قراءة معينة للواقع ودراية بالقوى المتفاعلة فيه؛ قراءة ودراية تُسهمان في بناء مشروع سياسي متحرر مما هو قائم ومستجيب لحاجيات الأفراد والجماعات في إطار من الحرية والكرامة. ثم إن هذا العمل السياسي ليس هُلامِيّاً، بل هو قابل للقياس من خلال معايير ترصد:

ــ المشروع المجتمعي المنشود من حيث الانسجام والتوافق مع هوية الشعب وانتظاراته.

ــ حيوية المؤسسات استقرارا وانتظاما وإنتاجا وقدرة اقتراحية وتشبيبا وتخريجا للأطر والكفاءات.

ــ ثبات الصف ومدى استعداده للبذل المادي والمعنوي خدمة للمشروع.

ــ تأهيل كفاءات وأطر يشهد لها الواقع/المجتمع بالاستقامة ونكران الذات تترجم كليات المشروع.  

ــ مواكبة المستجدات المجتمعية والتمَوْقُف الواضح منها.

ــ القدرة على تعبئة الشارع وتأطيره.

ــ درجة اتساع دائرة التعاطف مع المشروع وتنامي شعبيته.

ــ نسج تحالفات سياسية بناء لجبهات ممانعة للفساد واستئصالا للاستبداد.

وتأسيسا على ما سبق، فالعمل السياسي أكبر وأشمل من اختزاله في مشاركة موسمية كل خمس أو ست سنوات، تُلاكُ فيها نفس الخطابات وتستنسخ نفس البرامج وترفع ذات الشعارات وتوزع وعودٌ عُرقوبية، فغدت اللعبة مكشوفة مفضوحة بين الجميع مُرشحين وناخبين، يصدُق عليها مثل "طاجين الحوت"الشعبي؛ اختزال يُقزِّم العمل السياسي بما هو تربية وتأطير وتدريب على المسؤولية وتخريج للأطر والكفاءات في مختلف المجالات الحياتية، صناعة لأجيال تسهم بحسها النقدي وعمق الوعي بقضاياها في تأمين الحاضر واستشراف المستقبل.

وبالعودة إلى سؤال المشاركة السياسية للعدل والإحسان، نترك للقارئ والمتتبع الموضوعي أن يقيِّم أداءها وحضورها السياسي من عدمه، مذكرين بموقف المخزن في شخص أحد رموزه الناطقين بلسان حاله، إنه وزير الداخلية الأسبق شكيب بنموسى عندما اعتبر ربيع 2006، أن جماعة العدل والإحسان وضعت نفسها خارج دائرة القانون بتكثيفها للأنشطة.

ومن باب الاستدلال عن الوزن السياسي للعدل والإحسان، نشير إلى الصخب السياسي والإعلامي غداة تثمين الجماعة الدعوة إلى إضراب 29 أكتوبر 2014 العام وقرار انخراط قاعدتها العمالية فيه، من خلال الإطارات النقابية التي تنتمي إليها، وكيف اكتسبت هذه الدعوة للإضراب العام بعد التحاق الجماعة بركبه طعما آخر، ونشطت التحليلات والقراءات. السؤال البَدَهِيُّ، لو لم تكن الجماعة فاعلا سياسيا، لماذا كل هذا الضجيج الإعلامي والسياسي؟

وارتباطا بموضوع الساعة "التسجيل في اللوائح الانتخابية"، لو كان النظام واثقا من نسبة مشاركة مشرفة لشعاراته، في الاستحقاقات الانتخابية القادمة تحديدا، وفي غيرها عموما، لماذا لا تُعتمد البطاقة الوطنية آلية للتصويت، علما أن قاعدة البالغين سن التصويت معلومة لدى وزارة الداخلية، كما لدى مندوبية التخطيط، والتي لغرض في نفس المخزن لم تلتزم بموعد الإعلان عن نتائج الإحصاء، ومنها الكتلة الناخبة التي قد تتجاوز الأربعة وعشرين (24) مليونا؟ ثم، لو لم يكن للجماعة تأثير في الواقع السياسي، ولخطابها السياسي مصداقية، لماذا هذا التضايق من دعوتها لمقاطعة عملية هي مدخل لمهزلة تبذر فيها أموال الشعب للتوهيم أن نظاما سياسيا على أسس ديمقراطية ترسخ في البلاد أثمر استقرارا وتنمية وحقوقا وحريات عامة مكفولة للأفراد والجماعات كـثـّـرت حساد المغرب.

لعبة سياسية ـ كما توصف ـ بأدوار محددة سلفا للاعبين، تتوج بمهزلة انتخابية حمى وطيسُ التنافس على كعكة امتيازاتها وتعويضات يجري تقنين توريثها للذرية والولد، وأضحت الاستحقاقات الانتخابية ريعا يغري للتهافت عليه. تُرى، لو رُشدت تعويضات المهام الحكومية والعضوية في البرلمان وعموم المجالس العليا، قياسا ببلدان أعْـرق ديمقراطية وأوفر دخلا قوميا، من جهة؛ ولو فُعّلت القوانينُ في حق المتورطين في ملفات الفساد المالي والتدبيري، عوض الاكتفاء بإعفائهم أو الاستجابة لطلب إعفائهم من مناصبهم، من جهة ثانية، تُرى هل سيبقى للمشاركة في الانتخابات جاذبية أو إغـراءً؟

إن حضور جماعة العدل والإحسان في الواقع المجتمعي لا سبيل لإنكاره، إلا جحودا وعنادا، وبعيدا عن المشاركة السياسية بمدلولها الضيق، هل يمكن إنكار دور الجماعة فيما أنعم الله تعالى به على المغرب من استقرار؟ أليست الجماعة ـ يشهد بذلك المنصفون ـ أحد صمامات أمان المغرب حماية له من الانزلاق إلى هاوية التطرف والعنف بنموذجية خطها التربوي الرافض للعنف والتبديع والتكفير بأنواعه؟ ويكفي دليلا على ذلك، أنه غداة أحداث 16ماي2003الأليمة لم تشر أصابع الاتهام أو مجرد الشك إلى الجماعة؟ استقرار وسِلمٌ مجتمعيان هما في قاموس العدل والإحسان خطاً أحمرَ، انسجاما مع مشروعها التغييري القائم على الرفق والأناة ونبذ العنف، ووعيا منها أن النزوع إلى العنف أسلوبا في التدافع ينِمُّ عن خلل في التصور وقصور في الفهم. أما المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية فمرهونة ـ مبدئيا ـ بتوفر شروط النزاهة آلياتٍ: قوانين منظمة، وضماناتِ المصداقية مُخرجاتٍ: مؤسسات وهيئات منتخبة تمارس صلاحيات حقيقية لا صورية، حيث يصبح للتنافس على أساس البرامج والاختيارات معنىً.

الجماعة إذن في صلب المشاركة السياسية في تنوعها وشموليتها ـ رغم الاستهدافات المتكررة خطا تربويا واختياراتٍ سياسية، ورغم الحصار الممنهج الذي لولاه لدُحضت الكثيرُ من الاتهامات المجانية بيقين ما تقرُّ به عين كل غيور فاضل يحب الخير لشعبه وبلده ـ تربي، تؤطر، تؤهل، ترصد الواقع، تتفاعل مع مختلف قضاياه بإيجابية، تقترح البدائل، تسمي الأشياء بمسمياتها، لا تقول باطلا أو بهتانا، تصْدُق الشعب لا تستخف بذكائه، تنصح من يُهمهم الأمر في غير مجاملة رخيصة، تـؤْثِـر المصالح العليا للعباد والبلاد على المآرب الشخصية أو الفئوية، تتوسل بالأسباب المشروعة، تتحمل الضربات دون استفزاز، توقـنُ أن العاقبة للعاملين المخلصين وأن الأرض يرثها عبادُ الله الصادقـون.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع