المقالات

الموت الثقافي، زاوية الشيخ نموذجا

إن الموت الثقافي في أي مجتمع هو ذلك الفعل السياسي الذي يهين كرامة الإنسان و يفسد أخلاقه و يجعل منه عدوا للإبداع الثقافي الأصيل و الجميل .
هذا الموت بزاوية الشيخ كنموذج مغربي يتجلى على سبيل المثال لا الحصر في انتخابات منافية للذوق السليم و هذا الفيض غير الطبيعي للجمعيات (أكثر من مائة جمعية ) بلا نجاعة و كذا في الإختلالات الأخلاقية المتفاقمة (النفاق الاجتماعي ، الفضائح الأخلاقية، العنف الرمزي عبر المواقع الإلكترونية ...إلخ ).
لتجاوز هذا الموت ومعالجة تداعياته لا مناص من إزالة أسبابه بحكمة العقل والرؤية الإستراجية ورحمة الحب و التسامح الإنساني .
بعض أسباب هذا الموت الثقافي بزاوية الشيخ :
- غياب الإرادة لتأسيس حوار سياسي وطني هادىء و ناضج يسمح بميلاد شرعي لمشروع ثقافي حداثي أصيل يصل فيه اليسار إلى استيعاب إيديولوجي متوازن لسؤال الهوية الثقافية ويؤصل معه الإسلام السياسي فقهيا للدولة المدنية و الحريات الديمقراطية ويستعيد من أجله الليبرالي حسه الاقتصادي الوطني ويعترف بفضله العروبي بالأمازيغي كشريك ند له في الوطن . بحيث تستفيد نقديا كل هذه التيارات و غيرها من مشروع الماركسية التاريخانية لعبد الله العروي و العقلانية النقدية لمحمد عابد الجابري وعقلانية الحداثة المؤيدة لطه عبد الرحمان في تركيب مغربي مبدع و ممكن تاريخيا في ظل الإستقرار.
- وزارة الثقافة هي أفقر وزارة بحيث أن ميزانيتها السنوية الهزيلة لا تسمح لها بدعم كل الأنشطة الثقافية إلى جانب افتقادها لرؤية ثقافية واضحة بسبب ذيليتها للإلتباس السياسي الرسمي .
-الإنكفاء النرجسي لجل (و ليس كل ) الأحزاب السياسية على ذاتها و تخليها عن مهامها الثقافية بحيث صار هاجسها الوحيد هو الإنتخابات لا غير .
- إرادة سياسية غير واضحة لدى المجلس البلدي الحالي و سابقيه للإرتقاء بالشأن الثقافي بزاوية الشيخ كإفراز منطقي لانتخابات غير مقنعة مؤثثة في الغالب بخطاب سياسي غير شفاف و إغواء للناخبين المعوزين و حياد غامض للإدارة...هذا الواقع الذميم أدى إلى ضبابية الرؤية الثقافية نتيجة التحالفات غير الطبيعية لدى الأغلبية العددية الحالية . علاوة على الإرتهان الإجرائي للمشروع الثقافي الرسمي الملتبس والذي يتجه دائما إلى تسويغ و تجميل ما هو سائد وتأجيل أفق الإصلاحات الديمقراطية المطلوبة .نلمس هذا ب"تشاؤل" حسب تعبير الروائي الفلسطيني "أميل حبيبي" في غياب البنية التحتية لسنين طويلة ولجنة ثقافية لدى المجلس البلدي تغالب نتائج إكراهات تشكيلها القيصري وتجميد لخزانة الكتب بمبررات تقنية
و معارضة بلا مبادرات ثقافية و 15 مليون سنتيم كمبلغ هزيل مرصود للتدبير غير الموفق و الفلكلوري للأزمة الثقافية في صحبة نكدة لمجتمع مدني مهترىء .و مع ذلك، يتعين علينا من باب الإنصاف تثمين مبادرة التأهيل الجاري لمدينتنا المسكينة زاوية الشيخ بتجديد دار الشباب و بناء دار الثقافة والمركب السوسيوثقافي رغم غياب تصور متكامل لدى المسؤولين لمآلات هذه الفضاءات.
- قطاع التعليم: رغم الإعتبار الذي نكنه لهذا القطاع و رجاله و المشكلات الني يعانيها فهذا لا يعفيه من المسؤولية بل حري به و أولى أن يكون رافعة متينة للسمو بالسؤال الثقافي ومنارة مضيئة له. لذلك نعبر عن استغرابنا من عدم تفعيل خزانتي الكتب بثانوية أم الرمان و ثانوية الأطلس بمسوغات تقنية من قبيل عدم وجود قيم للخزانة.كما نلاحظ كذلك بشيء من العتاب أن جل رجال التعليم منكفؤون على أنفسهم عازفون عن الفعل الثقافي و العمل الجمعوي رغم إيماننا أنهم في مقام أسمى من ان يتوجه إليهم أي كان بالنصيحة . ولهذا، فالأمل معقود عليهم أن يعيدوا لهذا القطاع الحيوي الكريم حسه الثقافي الوطني القديم الذي أصابه الأفول للأسف الشديد.
- المجتمع المدني بزاوية الشيخ نسميه كذلك تجاوزا و مجاملة ، فهو معاق و بعيد كل البعد من أن يكون قوة اقتراحية مقنعة و شريكا جديرا في التنمية .حيث إن كثيرا من الجموع العامة تعقد في ظروف ملتبسة ويتم تسليم وصولات الإيداع رغم غموض الأهداف و تهافتها و ركاكة القوانين الأساسية و عدم أهلية بعض الأعضاء.فضلا عن موضة شعار التنمية و غياب الحكامة في تسيير هذه الجمعيات و اللجوء الإضطراري لعدد من المعطلين إليها و اختراق الأحزاب السياسية غير الصحي لها مما غيب الفعل الثقافي الجمعوي عن زاوية الشيخ أو ميعه و جعله في حكم الميت الحي.
- ضعف و ضحالة التأطير الديني بزاوية الشيخ و انفصاله المقصود عن الواقع أدى إلى ضمور أو تلاشي الوازع الديني لدى عدد غير قليل من الفاعلين السياسيين والجمعويين ولدى كثير من الناس إلا من رحم ربك. فامتلأ هذا الفراغ الروحي بإقبال كثير من شبابنا على فكر ديني وافد من الخارج غير متصالح مع الحداثة ومشاكس للهوية الدينية المغربية.
- انزواء الفعاليات الثقافية "الكاتب والفنان والشاعر...إلخ" رغم قلتها وامتناعها أو عجزها عن توسيع دائرة فعلها الثقافي و اكتفائها بالنقد العدمي السيزيفي للواقع.
- الرأي العام بزاوبة الشيخ غير إيجابي إزاء الثقافة حيث يعتبرها ترفا برجوازيا أو تفاهة ومضيعة للوقت تحت شعار"الخبز أولا". و هذا منطق مقلوب لأن الثقافة الحقيقية تشتغل على الإنسان فتحرره وتؤهله لتغيير الواقع وتحقيق الحرية والعدالة والكرامة والتقدم.
إن بقاء هذه الأسباب وغيرها في غياب معالجة تنبني على وقفة صادقة مع الذات سيجعل هذا الموت الثقافي يستمرفي توزيع الشقاء والتخلف بسخاء غلى أهل زاوية الشيخ على شكل تفكك أسري وهدر مدرسي وهشاشة في السلم الاجتماعي وتفش للدعارة والإجرام والإكتئاب الجماعي والإنتحار والجنون. وسيظل تبعا لذلك شبابنا غارقين في هروبهم إلى المخدرات والإغتراب الكروي ونساؤنا ضائعات في أحضان المسلسلات المكسيكية والتركية الفجة وثقافة الخرافة والسحر والشعوذة وهلم جرا من التدعيات الخطيرة التي سترهن مستقبل مدينة زاوية الشيخ وأهلها على المجهول

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع