المقالات

هل يمكن اعتماد الشــــــــريعة الإسلامية نظاما للحكم؟

كيف يمكن أن يتناسق الجواب عن هذا السؤال عندما يكون الإسلام الذي في ذهن السائل غير الإسلام الذي في ذهن المجيب ؟

و لأن أفكار هؤلاء السائلين فارغة من التصور الحقيقي للإسلام فمن الطبيعي أن يلاحظوا بُعد الشقة بين أحكام الشريعة الإسلامية و بين واقع الحياة ،لاسيما و أن هذا الواقع يتفق مع كثير من رغباتهم و أهوائهم ، ومن ثَم فإن هذا السؤال إن طرح على من هم على شاكلة هؤلاء من حيث فهمهم للإسلام و انبهارهم بمنجزات الحضارة الغربية فإن الجواب بكل تأكيد: يســـــــتحيل اعتماد الشريعة الإسلامية نظاما للحكم بين الناس.

إن التناقض الذي يظهر لنا اليوم بين مظاهر الحياة العصرية و نظام الإسلام لا يبلغ في حدته معيار التناقض الذي كان بين مظاهر الحياة الجاهلية في الجزيرة العربية و نظام الإسلام آنذاك ، فقد كان الإسلام شاذًا عن كل ما كان سائدا في المجتمع الجاهلي من تصورات فكرية مريضة و أعراف سلوكية قبيحة ، و مع ذلك انهار كل ذلك و انتشر الإسلام وعيا فسلوكا و نظاما..
لكن من الضروري أن نحدد ما المقصود "بالمجتمع الجاهلي" ؟ إذا أردنا التحديد الموضوعي له قلنا :هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام و لا تحكمه عقيدته و تصوراته و قيمه و موازينه ونظامه و شرائعه وخلقه و سلوكه...(¹)، وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار "المجتمع الجاهلي " جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض ، كا لشيوعية التي تنكر وجود الله سبحانه و تُرجع الفاعلية في هذا الوجود إلى( المادة ) أو ( الطبيعة ) ، أو كالوثنية التي لا تزال قائمة في الهند و اليابان و الفلبين .. بتصورها القائم على تأليه غير الله أو معه آلهة أخرى ، و تدخل فيه أيضا المجتمعات اليهودية و النصرانية في أرجاء الأرض جميعا بتصورها الإعتقادي المنحرف الذي لا يفرد الله بالوحدانية بل يجعل له شركاء قال الله سبحانه " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد و إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم " ( المائدة : 73 )
و قال أيضا " وقالت اليهود و النصارى نحن أبناء الله و أحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق .." ( المائدة : 15 )

و أخيرا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي ذلك المجتمع الذي يزعم لنفسه أنه مسلم فهو في الحقيقة يعتقد بألوهيته سبحانه و تعالى متمسك بدينه عبادات ، وشعائر وأخلاق لكن النظام السياسي المطبق في غالب الأحيان يخالف المبادئ السياسية الإسلامية ، لكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها ، فهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة "علمانيته " وعدم علاقته بالدين أصلا و بعضها يعلن أنه "يحترم الدين"ولكنه يخرج الدين من نظامه الإجتماعي أصلا وبعضها يشرع ما يشاء من عند نفسه ثم يقول : هذه شريعة الله غير أن الإسلام يرفض الإعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها .
إن الإسلام لا ينظر إلى العنوانات و الشعارات التي تحملها هذه المجتمعات على اختلافها لأنها تلتقي مع سائر المجتمعات الأخرى في صفة واحدة وهي صفة الجاهلية . لأن من درس الشريعة الإسلامية أصولها و فروعها منقولها و معقولها يصل إلى نتيجة مهمة مفادها أن هذا النظام الإسلامي البديع هدفه الأسمى هو بناء الإنسان العارف بالله ولنتأمل هذه الصورة لندرك أن البون شاسع بين الأحكام الشرعية التي إذا طبقت في حياة البشر ستخرج لنا الإنسان المخلص و بين الأحكام الوضعية الجافة الخالية من الوحي الإلهي : لنفرض أن مِؤمنا يريد بيع بضاعة فعليه بيان العيب إن وجد في بضاعته ، ولكن يعرف أنه إن ذكر العيب فسيقل ربحه أو يخسر وعلى الرغم من ذلك يحس بانشراح وطمأنينة في قلبه لأنه حقق حكم الله.

إن نظاما يصنع إنسانا بهذا الوعي ليصلح أن يكون نظاما للحكم في الأرض بين الناس ، فهو نظام كامل لا يقبل التجزؤ و الإنقسام .

(1) كتاب "الإسلام" (ج1 ص 51 ) تأليف الشيخ سعيد حوى

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع