المقالات

في يومهِن .. أمهاتُ الشهداءِ بغزة يقلّبن الذكريات على نار هادئة

كما العادة في كل احتفال أو مناسبة، تكون فيه كلمة المرأة الفلسطينية هي الأولى بأن تسمع، فآذار شهرها الذي أنجبت فيه تضحياتها ولم تتوقف عن بذلها طيلة أعوام من حياتها، فهي الأم التي صمدت وفقدت وودعت وصبرت وذاقت الأمرين وهي تطرز بالدم اسم الوطن.

في الحادي والعشرين من آذار، تتجدد ذكرى يوم الأم، وقد جلست الأمهات الفلسطينيات يقلّبن صفحات أوجاعهن على أبنائهم بعدما فقدت إحداهن ابنها شهيدًا، بينما تعلق أخرى كل أمنياتها برؤية ابنها الأسير مرة واحدة قبل أن يطوي الله أخر صفحات عمرها.

" ذكريات لا تموت "

" ما حدا يبكي قولوا مبروك صرت أم شهيد، أنا أم العريس” .. هذه الكلمات التي بدأت بها والدة الشهيد اسماعيل العكلوك (25 عاما) استذكار لحظة استشهاد نجلها، لتودع جسده الطاهر لمثواه الأخير، وقد اغرورقت عيناها دموعًا، متبعةً، “جسمه كان مثل البنور أبيض شديد البياض وجلست أقبله حتى أخذوه مني”.

تروي أم إسماعيل، “في اللحظات الأولى لنبأ إصابة إسماعيل صبرت واحتسبت، واستقبلت خبر الاصابة بقوة وصبر وسكينة غير مسبوقة، “توضأت وسجدت لله سجدة شكر”، وجلست أردد، “اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها”.

ولم يكمل “إسماعيل” يومًا واحدًا في العناية المركزة، حتى صعدت روحه الطاهرة إلى السماء وأعلن عن استشهاده إثر إصابات بالغة في رأسه وجميع أنحاء جسده.

تستذكر الحاجة وقد ظهرت في عيناها لمعة – لربما كانت من أثر الدمع- آخر أيامه قبل رحيله، فتقول “كان أصدقاء إسماعيل يسمونه النحلة فلم يتراجع يومًا عن خدمة الناس والإحسان إليهم بتلبية طلباتهم، وذات يوم أعطاني مبلغًا من المال كي أحضر بعض الملابس والحاجيات لابنته القادمة إلى الدنيا بعد شهر وأوصاني بها”.

" كان مرضيًا ”، بدأت بها الحديث عن خصاله وصفاته ومواقفه، مضيفةً، “كان يقبل يدي وقت ذهابه إلى المسجد مع والده لأداء صلاة الفجر التي حرص عليها دائمًا، وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه وكان خفيف الظل، يحبه الجميع ويذكره بالخير”.

كان يتمنى الشهادة، وخلال الحرب كان يقول لي “يما عدها خلصت الحرب وأنا مش عامل اشي، كل أصحابي استشهدوا وأنا لسه”، مضيفةً، “كان اسماعيل يتصرف وكأنه يشعر باقتراب الأجل فقد قام بسداد كل ديونه قبل أن يستشهد بأيام قليلة، ورفض تأجيل سداد أي دين لبعد الحرب فقد كان يقول “يمكن استشهد لا ضمان للحياة”، وقد نالها بعد أن صدق في طلبها.

" هداياه باقية

" الله بصبّر ولكن الأيام لم تنسينا لحظة واحدة إسماعيل، طوال الوقت بفكر فيه”، قالتها والدته بابتسامة حزينة، مضيفة، “أكثر شيء أثر فينا بعد استشهاد إسماعيل انه بعد مرور أربعين يومًا على استشهاده في الـ26 من تموز/يوليو، ولدت طفلته تالا في الخامس من أيلول/ سبتمبر نفس يوم ميلاد أبيها”.

وتستذكر حال زوجته التي لم تكن استيقظت بعد من آثار البنج في عملية وكانت تهذي وتقول، “اسماعيل إسماعيل.. بس تعال شوية”، مضيفةً، “من هول وتأثير الموقف أغشي عليّ وسقطت أرضًا”.

" لا أنتظر وردة اليوم، فهو وردتي التي فقدتها، ويكفيني منه هدية أن ألقاه يوم اللقاء وكلي فخر به وباستشهاده”، مضيفة، “ما زلنا نتلقى منه كل طيب وحسن حتى بعد رحيله، إنجازاته وهداياه باقية، ولطالما كان يحلم اسماعيل بنيل الشهادة الجامعية لكنه قضى شهيدًا قبل استلامها، فذهب والده ليستلم شهادة تخرجه نيابة عنه”.

" بدل الفقد فقدين "

" كل حزن يبدأ كبيرًا وينتهي صغيرًا، أما حزني على استشهاد ابني وزوجي بدأ كبيرًا وسيزداد حتى أفارق الحياة”، هذا الوجع المتنامي في صدر والدة الشهيد “على محمد سكافي” (27 عامًا)، جعلها لا يمر يومًا دون ذكراه، قائلة، “الذكرى أقل شيء أقدمه لمن قدموا أعمارهم لنا”.

 

تلقت والدة الشهيد علي خبر استشهاد ابنها، مع خبر استشهاد زوجها محمد (56 عامًا) ظهر يوم الإثنين في (20/تموز/2014) في أول أيام مجزرة الشجاعية بعد مرور 13 يومًا على بدء الحرب الشرسة على قطاع غزة، حيث تم استهداف باب البيت الذي تجمع أمامه شباب عائلة سكافي والتي راح ضحيته 13 فردًا من العائلة نفسها.

تستذكر وقت جلوسها بغرفتها الصغيرة بمنزلها وقراءة القرآن وتنتظر قدوم زوجها وابنها وتحسب الوقت بالدقيقة ليتجمعوا على مائدة واحدة للإفطار بعد آذان المغرب ولكن فوجئت بصوت قصف عال واهتزاز في كافة أنحاء البيت لتسقط منها دمعة مباشرة تبشرها بقدوم زوجها وابنها محملين على الأكتاف شهداء.

بدأت أم علي حديثها وقد بدا التعب ظاهراً في تنهدات صوتها، “بيعوض الله ابني البكر وزوجي الحبيب وراحت معهم فرحة قلبي”، مستذكرةً، “كان علي دائما كان يقول لي “سامحيني يمّا لأني بحب أبوية أكتر منك لأنه ما بقلق عليا وبيحاسبني على الطلعة والنزلة زي ما بتعملي فيا”.

وتضيف، “كان لا يخرج من البيت إلا ويطلب أن أرضى عنه”، قائلة “منذ أن فقدته هو وزوجي وأنا أشعر بأني حياتي لا لون ولا طعم ولا رائحة فيها مثل الماء فقد كانا بمثابة العقل والروح في جسدي”.

وتقول، “كنت دائما أدعو ربي بأن لا يختبر صبري بابني علي، ولكن وجدت أن ربي اختبر صبري بأبيه وكانت الفاجعة أكبر

" يوم الوجع "

وتعتبر والدة الشهيد علي “أن اليوم هو يوم الحسرة على وجع الأم الفلسطينية، مضيفة “ما يصبّر قلبي على فقدان “علي” هو ابنه وبنته، لأني أشعر بأنهم مثل علي في كل تصرفاته بالرغم من وجع قلبي عليهم لأنهم شاعرين بفقدان أبيهم ولكن لا يستطيعون أن يعبروا بالكلام عن شوقهم إليه”.

تحاول أم علي لملمة منديلها لتغطي به وجهها الشاحب على فراق ابنها وزوجها بيوم واحد، وهي تتذكر آخر أيامها معهم في الحرب، وكيف كانوا يردنها دائمًا معهم وكأنهم يشعرون بدنو أجلهم.

أما “أم إسماعيل” فاكتفت بتوجيه التحية لكل أمهات العالم، معتبرة أن الأم الفلسطينية هي الأحق بالأمومة لأنها من دفعت من دمها صبرًا ومن دمعها ألمًا، قائلة إن اليوم هي بمثابة يوم لتقليب الذكريات على أبنائهم الذين هم أبناء أمنا فلسطين.

هدى عامر العف

صحفية مهتمة بالقضايا الانسانية والاجتماعية – غزة

http://www.qudsn.ps/article/63769

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع