المقالات

عاصفة الحزم وماذا بعد؟

إني أثمن الحزم الذي أبداه وأمضاه التحالف في مواجهة الحوثيين وقوات صالح، الذين  جروا اليمن من مشهد الاصلاح السلمي بآليات التشارك والحوار دون الاخلال بميزان القوى الاقليمي، إلى مستنقع القبضة العسكرية والمواجهة المسلحة. وأثمنه لأنه أوقف المزاد السري المقام لاستكمال صفقة بيع المنطقة في مفاوضات الملف النووي الايراني، والتي هلل الكثيرون بقرب الاتفاق النهائي حولها، وكادت أن تقع في لقائهم التفاوضي  الأخير لولا مفاجأة تحالف عاصفة الحزم ليتم الاعلان عن شروط وعدم الاتمام.   

  ولعل ذلك أهم إنجاز والرسالة المشفرة الموفقة للتحالف، ثم لابد من المضي في انشاء قوة عربية مشتركة، في مقابل التحالف الدولي (الايراني ـ الامريكي)، الذي يعمل على اتمام تفويت العراق لحوزة "قم"، لذا فأمريكا تدحرج موقفها من عاصفة الحزم من ضبابية ملفوفة بالحذر إلى اعلان الدعم الفني والاستخباراتي...وعلى أية حال فأمريكا تسوق خدماتها هنا وهناك لمن يدفع اكثر مع ابقاء الوضع في دائرة التطاحن العربي ـ العربي، الاسلامي ـ الاسلامي، العربي الاسلامي و"على نفسها جنت براقش".

 أثمن إذن تحالف الحزم لكن أريده أن يترجل من على صهوات جياد العاصفة، فالعواصف توحي بطبيعتها إلى تجاوزالمعقول والمتاح و لا تنضبط لصيرورة ومنهج وآثارها تفوق المتوقع واللازم و الضروري.وتكون باهضة الثمن إذا دفع من عملة النتائج. أريده مخططا ومنهجا واستراتيجية واضحة المعالم، تعيد ترتيب الأوراق والمواقع بالمنطقة، وتكفل مواجهة كل المشاريع المهددة للكيان و الوجود، ومنها تمدد ايديولوجية ولاية الفقيه المغرقة في التجييش والحشد الطائفي بالاستثمار في حدث محدود تاريخيا، يتغذى من المتاجرة  بدماء الحسين بن علي رضي الله عنه.

 لكن كيف أتيح لايديولوجية ولاية الفقيه التي ظلت حبيسة حوزة "قم" أن تتمدد وبسرعة البرق في البلدان العربية خاصة حتى أصبحت كياناتها مهددة من الداخل ؟ هذا السؤال يستدعي التوقف على أهم المرتكزات التسويقية للايديولوجية السالفة الذكر، ثم نقط الضعف الذاتية للبلدان العربية، التي تسرب وسيتسرب منها المد الايراني  وغيره للمنطقة ما لم يصحح الوضع.

المرتكزات التسويقية لمشروع ولاية الفقيه بالمنطقة:

1. امتلاك قدر مهم من ناصية التقدم العلمي و التكنولوجي، و الصناعة العسكرية، أي التسويق على أنها دولة مسلمة قوية تناطح الشيطان الأكبر وأتباعه. رغم أن الواقع يثبت تزاوج المصالح مع الشيطان الأكبر (العراق نموذجا).

2. التداول الديمقراطي على السلطة بين تيارين كبيرين: المحافظين والاصلاحيين و الكل تحت جبة ولاية الفقيه.أي الانضباط لثوابت الهوية الخاصة ومشروعها الوطني من جميع الفرقاء. مما يغري المحبطين من الديموقراطيات الهشة أو المفبركة أو الانظمة الشمولية بالوطن العربي وما تعانيه في اشكالية الهوية والاحتكام للثوابث. فيسوق على أن دولة ولاية الفقيه تجربة رائدة في عمق انتمائنا الاسلامي، كنموذج رد الاعتبار في علاقة الأنا المقهورة والأخر المتفوق.

3. القدرة على الاختراق الثقافي والفكري للبلدان العربية، بتجنيد نخب علمية وفكرية جامعية خاصة، تستخدم معاولها التحليلية وفق خلفياتها الفكرية التشيعية في اصولنا الدينية المشتركة (الكتاب والسنة )وتراثنا الفقهي غير المشترك (المذاهب الفقهية السنية).

4. القدرة على خلق كيانات موالية ايديولوجيا ديناميكية واقعيا بالبلدان العربية، مع جودة التأهيل والتكوين العلمي والتنظيمي وحتى العسكري والاستخباراتي ، مما اعطاها قوة أكبر للتأطير والحشد والتعبأة.

5. القدرة على حماية أمنها القومي ديبلوماسيا وعسكريا موظفة: ورقة النفط ، والقدرة على التحكم في الخليج العربي"مضيق هرمز" باعاقة التجارة العالمية ،وملفها النووي، والاستعراضات العسكرية. والانتاج الحربي المتواصل... أي بناء قوة ردع وطنية، مما يعزز جاذبيتها لدى الشعوب الوطن العربي، نتيجة الاخفاقات المتتالية في "المشاريع العربية".

6. القدرة على الاستثمار في بؤر التوتر الاقليمية:افغانستان، العراق، سورية، اليمن، مصر،فلسطين...وهنا أتساءل لمركزية القضية :ما نسبة من قتل على اعتاب فلسطين من أتباع ولاية الفقيه ترجمة لشعاراتهم، ممن قتلوا على أعتاب حوزاتهم "المقدسة"بالعراق ومعاقل بشارالأسد؟ لماذا لم يتدخل اتباع حوزة "قم" من بوابة شمال فلسطين أو جولان سوريا لفك الطوق عن غزة في حروبها المتتالية مع الصهاينة وتدخلوا كليا في الأزمة  السورية، فهل المصالح تغتال المبادئ وتكشف معدن الشعارات؟

7.  اختراق منظومة الأنظمة العربية: صحوات العراق المحسوبة على "السنة"، الجيش اليمني الموالي في غالبه لصالح، سيسي مصر (موقفه المخالف لدول خليجية من الوضع بسوريا والمواقف المتضاربة في زمن قياسي من المشاركة في عاصفة الحزم) الجزائر في تبعيتها التقليدية لمحور ايران وموقفها من عاصفة الحزم...

8.  تقديم نموذج سياسي ثقافي قيمي سلوكي متكامل ومتناغم يبدأ من الخط السياسي والديبلوماسي، وينتهي بالعمامتين السوداء والبيضاء والتشادور النسائي.

9. الاستثمار الاعلامي والفني في تسويق المشروع، فقنوات ايران على ما يبدو دون لواحقها للكيانات الموالية تفوق ما تمتلكه رسميا الأنظمة العربية عددا ونجاعة من حيث برامجها، خاصة التحليلات السياسية، و التغطيات مع الارتكاز على مراكز الدراسات والبحوث. أما في الجانب الفني السينيمائي فحدث و لا حرج فمثلا: شاهد مسلسل يوسف عليه السلام الذي يسجل اعلى نسبة مشاهدة في الوطن العربي بحس نقدي، و المسلسل الفكاهي "بهلول" المغرق في الدعاية المذهبية، لتقف على التوظيف الايديولوجي للسينما باحترافية عالية. وقارن ذلك ب"منتوج شبكة روتانا بكل فروعها". فإذا أطفأنا نور العقل بالغرائزية، فالآخر مستعد لإشعاله بوقود الطائفية والأفكار الشاذة.

·  فهل تكفي عاصفة أو اثنتين لايقاف هذا التمدد والاختراق أم أن الأمر أكبر من ذلك؟ هل إذا أحرقت المركبات، وشتتت الجموع، قضيت على الأفكار المتسللة إلى عقر دارك ومن أبواب شتى ؟؟ وهل وضعنا العربي قادر على الاستثمار في الحزم؟ وهل قواعد اللعبة التقليدية القديمة ناجعة في تثبيت الحزم وجني ثماره؟ إني آخذ على محمل الجد التصريح الامريكي أن ليس الخطر على المنطقة ايران، وإنما الداخل؟ وما هي دلالات هذا التصريح؟

·  إن مبادرة القيادة السعودية الجديدة، التي تصرفت بتبصر وواجب الوقت، لتشكيل نواة قوة ردع إقليمية ( تحالف عاصفة الحزم)، صرخة في وجه التحالف الايراني الغربي الملفوف بالسرية، والذي يؤتي أكله واقعا في أكثر من ميدان. ولذلك وصلت الرسالة بالتهديد بالتناقضات الداخلية في التصريح الأمريكي السالف ذكره. وعلى أية حال فهم تجار حروب ويعرفون من أين تأكل الكتف.

· وفي هذه اللحظة لا ينبغي ترك السعودية لوحدها في مواجهة مشاريع متعددة تتربص بالمنطقة، وأخشى ما أخشاه، أن تبتز من أنظمة عربية على شاكلة صاحب نظرية مقاربة المال الخليجي بالأرز وقاعد الدفع ثم الخدمة وليس العكس.

· إن الوضع العربي يغري كل الطامعين واللصوصيين لحشر أنوفهم في شؤونه،لأسباب عدة، لا تنحصر في ضرب المرتكزات التسويقية لولاية الفقيه في(1ـ) لتقف على السلبيات بل الأمر اعمق من ذلك:

 الضعف والعجز عربي إجمالا:

1.  تراكم الاخفاقات في خط الصراع العربي الصهيوني، بل محاولات لجم المقاومة وترويضها وفق السقف الرسمي للأنظمة و إكراهاتها،مما يعطي امتعاضا واسعا لدى الشعوب . ويبين العجز عن استثمار الكيانات المجاهدة (التي ثبت واقعا توجيه سلاحها للمحتل فقط) لتعزيز الحضور الاقليمي والدولي.

2.  الجامعة العربية جامعة التناقضات والخلافات، تجتمع لتطوي صراعا، وتفتح آخر. أي غياب الرؤية والتصور والمنهج والعمل المشترك...

3.  التقهقر أمام زحف التدخلات الخارجية ومشاريع الإضعاف والتقسيم ومن تجلياته:تقسيم السودان ـ تفكيك العراق ـ تحطيم سوريا وإدامة نزيفها ، التشيع الزاحف على البحرين ، على اليمن،على الامارات مع احتلال جزرها ...

4. الارتكاز على المقاربة الأمنية التحكمية على حساب البناء التنموي، والتعويل  على حماية قوى دولية خارجية ميكيافلية المنهج خفية العداء، بالاستناد على عملها الاستخباري واسنادها العسكري. أي العجز على حماية الذات من خلال موازين القوى الداخلية، وقواعد التدبير الديقراطي والتداول على السلطة، والتوزيع المنصف للثروة، وانتاج القوة.

5. مواجهات التيارات الوسطية الأكثر شعبية ومرونة والمتمكنة من القدرة التعبوية والتأطيرية، سواء اليسارية منها أو الاسلامية، خشية مزيد من تمددها واستقوائها عوض التحالف والتقاطع معها مادامت تؤمن بالاصلاح في ظل الاستقرار وعدم المنازعة على المواقع. وقد تمت مواجهاتها برعاية كيانات شاذة من جنسها أو من نقيضها. سرعان ما صارت عبئا على الانظمة نفسها (السلفية الجهادية مثلا)

6.   المعطيان السابقان أفرزا بطانة اعلامية وسياسية من النفعيين والانتهازيين تقتات من التحريض على الحركات المطالبة بالاصلاح بكل تبايناتها وشيطنتها .علما أن من أراد الدنيا(الامتيازات ومراكمة الثروات) لن يقدم لك نصحا أويكشف لك عن حقيقة مرة، ولهذا كان من أواخر كلام بنعلي تونس أثناء الثورة :"افهمتكم" لقد ظل مغيبا لثلاثين سنة على أن يعرف نهايته مسار اختياراته. أما الراحل القذافي فالبطانة زينت له عمله حتى آخر المطاف وظل يصرخ: من أنتم؟ إلى أن سحبوه من قادوس.

7. انتجت مواجهة التيارات المعتدل وتحجيمها والمقاربة الأمنية الاعتماد الشبه الكلي على نخب التقنوقراط بمعيار الولاء الذي أمات الكفاءة والاستحقاق،لكن ليسوا مجرد عارضي خدمات، لا بناة مشروع ومنافحين عنه، كما أن طبيعتهم التقنية تغيب الرؤية الاستشرافية المستنبطة للخلفيات المرجعية للمبادرات والمشاريع المناوئة والاستهدافات الخارجية .أي تحكم النظرة التجزيئية مع محدودية الاستشارات و المقاربة الخدماتية. في حين أن ولاية الفقيه تجيش جماهير وتؤسس كيانات ترتبط بمشروعها وتعمل له باستماتة وتعرف أين تتجه.

8. ازدواجية المعايير ونهج سياسة تدخل دول عربية في شؤون دول عربية أخرى(التدخل في اليمن له سياقات مخالفة). و دعم شرعية وإسقاط أخرى بتدخلات منحازة وليس بمقاربة رعاية الحوار، وبلورة مشاريع تصالحية سياسية في داخل المربع العربي . هذه الازدواجية تضعف المصداقية والثقة لدى الشعوب، وتفتح منافذ تسلل المتربصين وتسهل ولوج التعبئة المناوئة والمضادة.

9.  يزيد من خطورة ما سبق الاستثمار السيء للاعلام و الفن والسينما، إذ يتحكم توجه الالهاء وذوق الترفيه والغناء والترف، والتفسيخ وزرع الاباحية عوض التعبئة وتسويق المبادرات والمشاريع وصيانة الجبهات الداخلية وحمايتها. عكس اعلام  ولاية الفقيه كما بينا أعلاه.

10.   تحويل المجتمعات لسوق استهلاكي كبير، ولغرف نوم وتنويم وكسل واتكالية ، بعيد عن المسؤولية والانتاجية والوطنية الراشدة  واليقظة الدائمة وتحمل الحاجة والخصاص في سبيل الأهداف الاستراتيجية... إن استنبات واشغال الناس بالغرائزية قد يريح السياسي من الاحراجات مؤقتا، لكن سرعان ما يتحول ضحاياه إلى عبء اجتماعي ـ اقتصادي ثم سياسي، أو إلى حالات ارتداد يبرر الانخراط  في جماعات التطرف والارهاب ،وتمضي فيه.

11.  العجز عن التحالف مع كيانات اسلامية وسطية تشكل صمام أمان وخط دفاع أول ضد التطرف الارهابي، والتمدد الشيعي، لوحدة المرجعية الدينية ،إذ تقدم قراءة مغايرة وسليمة للنص الديني،يحاصر التأولات المتعسفة التي يستند عليها الارهابيون، لذا وجب حماية الديمقراطيات الفتية التي حملتهم إلى سدة التدبير التشاركي للحكم، لا إجهاضها لآن التفريط في الخط الأمامي للتدافع وحماية الجبهة الداخلية، يعزز تموقع الجبهة المناوئة والمتربصة في عمقنا العربي.

12.  عكس النموذج السياسي الثقافي القيمي السلوكي المتكامل والمتناغم لولاية الفقيه  فإن العالم العربي يقدم فسيفساء نشزة ومتضاربة تختلط فيه الاشكال والنماذج والميولات والاتجاهات من الموقف السياسي والحضور الديبلوماسي، إلى أشكال اللباس والتسريحات والتقليعات ....

خلاصة:

· آمل أن تكون هذه المقاربة / النصيحة تشخيصا لواقع الحال يساهم في  تسديد وإثراء النقاش في النازلة

·  آمل أن يتبنى العرب العمل المنهجي والمؤسس على رؤية استشرافية، تفضي إلى تبني استراتيجية دفاعية عربية مشتركة.

·  آمل أن لا تقف جهود عاصفة الحزم في اليمن في حدود العمل العسكري بل تمتد إلى حدود إقامة اركان الدولة على اسس الحوار والشراكة والتداول السلمي على السلطة وعدم تهديد الأمن الاقليمي

· أمل أن يضع العرب خطة إنقاذ سوريا وإبعاد كل العناصر الارهابية والمرتزقة المتدخلة في الشأن السوري، بدعم التيارات المعتدلة ذات العمق الجماهيري بكل تلويناتها .

· آمل أن تتدخل الدول العربية لتصحيح الوضع بمصر، بإطلاق مبادرة إعادة الاعتبار للديمقراطية، واختيارات الشعب، مع معالجة كل آثار الصدام الحاصل.

·  آمل أن تتمكن الدول العربية  من استعادة العراق إلى مربعها العربي

وحرر في 8 رجب 1436

27ابريل2015

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع