المقالات

التنمية ....ذلك التحدي الأكبر.

تشكل التنمية  تحديا حقيقيا لكل الشعوب والدول على مر الأزمنة والعصور استحضارا لفطرة الإنسان التواقة إلى العيش في رخاء على جميع الأصعدة والمستويات وما تحققه التنمية  من فوائد جمة على الفرد والمجتمع.

وما ميز التاريخ الحديث للشعوب بسط الإستعمار نفوذه على مجموعة من الدول العربية والإسلامية  رغبة في استنزاف طاقاتها البشرية والطبيعية ، مما كانت له انعكاسات سلبية على تحقيق إقلاع اقتصادي تنموي بهذه الدول . وبعيد الإستقلال عملت هذه الدول على بناء ذواتها وهياكلها  اعتمادا على برامج تنموية تروم تحقيق الكرامة المادية والإجتماعية  للمواطن البسيط ، إلا أن هذه البرامج أبانت عن محدودية آثارها الإقتصادية  والإجتماعية  وعدم فاعليتها بناء على مؤشرات  تؤكد ذلك ، حيث يتم دائما وفي كل مرة إعادة نسج سنفونية  الإخفاق والفشل عليها...فنسب النمو استمرت في الضعف بينما العجز التجاري والإقتصادي  في تصاعد مستمر ونسب البطالة في ارتفاع مهول خاصة في صفوف الشباب  وضعف الدخل الفردي السنوي....رغم ما تزخر به هذه الدول من غنى ثرواتها  المادية والبشرية ، مما   يطرح سؤال الجدوى من التمادي في تبني سياسات اقتصادية واجتماعية فاشلة  حيث إهدار الفرص والجهد والزمن باعتباره عاملا رئيسا في منظومة التنمية عموما.                   

فهل الفشل في تحقيق تنمية إنسانية  قدر محتوم ؟ أم أن هناك عوامل أخرى متحكمة أفرزت هذا الوضع؟

إن الممتبع للبرامج التنموية العالمية ليلحظ تمايز التجربة الغربية  عن تجارب البلاد العربية والإسلامية ، حيث نسب الرخاء الإجتماعي في تصاعد مستمر- رغم أن بعض الدول بدأت تعاني من تداعيات الأزمة الإقتصادية العالمية- مما يؤشر على أن هذه الدول تبنت برامج تنموية علمية مبنية وفق قواعد سليمة في استثمار أنجع لثرواتها المختلفة ،بينما البلاد     العربية والإسلامية – رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات- هي أساسيات لكل تجربة تنموية ناجحة لا زالت تراوح مكانها في إنتاج نموذج تنموي رائد . ويمكن إجمال العوامل الموضوعية التي أفرزت هذا الوضع في أربعة عوامل :                                                  

1. السعي إلى استنساخ تجارب تنموية غربية في إغفال صارخ للخصوصيات الثقافية    والتاريخية والإجتماعية التي تشكل محددا حقيقيا في تحقيق الأهداف الإستراتيجية للتنمية.

2.غياب الإرادة السياسية الحقيقية  وما تتضمنه من قيم مؤطرة للسلوك السياسي الذي يتحكم في طبيعة القرارات الإقتصادية والنموذج التنموي مع ما تطرحه الإرادة الحقيقية من تغليب للمصلحة العامة  على المصالح الضيقة للأفراد وترسيخ قيم المواطنة  الحقة وفق مقاربة الإنتاج بدل الإستهلاك والإبداع بدل الإنتظارية والإتقان بدل الرداءة.

3.الإنفصام الحاصل بين مكتسبات البحث العلمي ومداخل التنمية ، حيث انعدام الإستثمار الحقيقي للأبحاث العلمية في مجالات الفلاحة بكل أنواعها والصناعة بكل أبعادها المادية والحضارية رغم ماتزخر به هذه الدول من مؤهلات حتى على مستوى الإمكانات الطاقية: الهوائية والشمسية : المغرب نموذجا.

4.ضعف الحكامة وما يفرزه ذلك من ارتفاع نسب الفساد التي تنخر مجموعة من القطاعات وتستنزف ميزانية هذه الدول في مشاريع لا طائل منها لا تحمل صبغتي الأولوية الإقتصادية والضرورةالإجتماعية ، حيث يفسح المجال أمام الإغتناء الغير المشروع وتكديس الثروة على حساب البسطاء.

إن التنمية عملية مركبة تتحكم فيها عوامل ثلاث: الإنسان، الثروة، الزمن- عوامل الحضارة عند مالك بن نبي ثلاثة : الإنسان، الزمن، الثراب- مما يستلزم التكامل الوظيفي بين هذه العوامل الثلاث. ويبقى الإنسان المحور الرئيس باعتباره سيدا في هذا الكون ، فتجب العناية به وتأهيله نفسيا واجتماعيا  من خلال ترسيخ مجموعة من القيم التي تجعل منه مواطنا منتجا ونزيهاو مبدعا مما سيشكل ضمانا حقيقيا لنجاح التجارب التنموية. وأولوية الأولويات هي العناية بهذه القيم في منظومتنا التربوية وإصباغها بنفس جديد يروم إنتاج مواطن فاعل في مجتمعه. وتجارب بعض الدول بارزة في هذا السياق: تركيا، ماليزيا.....

وإذا نجحنا في هذا المشروع الذي يكتسي صبغتي الأولوية والضرورة الملحة ،فإن استثمار عاملي الزمن والتراب يعد أمرا سهلا وميسرا يضمن إقلاعا مجتمعيا حقيقيا وتجربة تنموية رائدة تعفينا من اجترار الأزمات. 

* عبد الرحمان طه :عضو وباحث بمركز أطلس للأبحاث والدراسات الإستراتيجية للتنمية.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع