المقالات

هل الغش محرم ؟؟ !

 (من غش فليس منا)، رواه البخاري : حديث صحيح مليح، خرج من مشكاة النبوة، ورواه عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ صحبه الكرام، ورواه عنهم الأثبات من هذه الأمة، وهو توجيه نبوي تشريعي أخلاقي وقيمي، له بعده الإنساني، وله آثاره التربوية والزجرية في باب التدين والمعاملات والأخلاق والسلوك، ويصح أن يكون منهجا فرديا وجماعيا، لأن (الغش) منبوذ للنفس ومنبوذ للجماعة، فهو آفة الآفات، ومدخل للفساد في تدين المسلم بينه وبين ربه، فالعبادة التي بنيت على الغش في إتيان أركانها، والانتقاص من شروطها، والتساهل في موانعها ومكروهاتها، لاشك أنها عبادة منقوصة مغشوشة، إن لم تكن عبادة باطلة مردودة، وهو مدخل للفساد في دنيا الناس ومصالحهم، فالعمل المبني على الغش وعدم الإحسان والإتقان، عمل محكوم عليه ابتداء بالفشل، وكل علاقة اجتماعية بنيت على هذا الخلق الذميم علاقة غير موصولة، وهي مقطوعة (حقيقة) أو (حكما)، وهكذا...
وما يبين (أصولية) هذا الحديث النبوي في هذا الباب، أنه جاء بصيغة بيانية ودلالية قوية تنفي الاحتمالات، وتؤكد على حرمة الغش وقطعية فساده ويقين بطلانه، كما أن صيغته تفيد العموم في منع (جنس الغش) و(جنس فاعله)، وهو عموم يشمل جميع المكلفين أيا كان موقعهم، ومهما كانت صفتهم، وكيفما كانت درجة غشهم ونوعه ومجاله، فيصدق على تحريمه القاعدة المشهورة:( ما أسكر كثيره، فقليله حرام) بحيث يقاس على هذه القاعدة قياس بيان لخطورته ومزيد تحريمه، فيكون يسير الغش محرما مثل كثيره، بل إن قوله _صلى الله عليه وسلـم_:(من غش) فيه بيان أنه محرم بين المسلمين وغيرهم، إذ يمنع أن يكون الغش متوجها للكفار فحسب، بدعوى مخالفتهم للدين أو ظلمهم للناس، فالذريعة ههنا مسدودة موصدة لا يمكن فتحها لا للمصلحة ولا للمنفعة، إلا في حالات خاصة وحرجة جدا ليس ههنا محل بيانها..

وإلى جانب خطورة (الغش) في ذاته، تزيد خطورته بعدما ورد النهي عنه بالتحذير من أن فاعله ليس (منا)، أي ليس من زمرة المؤمنين الصادقين، وفي رواية مسلم قوله (فليس مني) ومعناه كما قال الإمام النووي _رحمه الله_: ".. ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي .."، وهذا لا يعني أن الغشاش يخرج من مسمى الإسلام والإيمان، ولكن انتسابه لأمة النبي _صلى الله عليه وسلم_ يكون انتسابا ناقصا، وإيمانه يكون ضعيفا، ولا ينبغي حمل الحديث على ظاهره جملة، لأنه متعذر، وإنما ينبغي وضعه في سياقه التشريعي، والاحتكام في فهمه إلى القواعد العامة والأصول الكلية في التشريع، وهو نظير قوله تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ..) ومعنى الآية على الصحيح (أن إيمانهم غير مكتمل وأن أصله باق على حاله)، والأبين من هذا قوله _صلى الله عليه وسلم_: ( لا يزني الزاني وهو مؤمن)، فليس معناه كفر الزاني ولا غيره ممن واقع الكبائر، بل معناه كما تقدم ينفي عنه كمال الإيمان وقوته ورونقه. ويكفي (الغشاش) مهانة أن يكون مشمولا بوعيد هذا الحديث، فليت شباب الأمة اليوم وطلابها، وتجارها، وعمالها، وحكامها، ومحكوميها، ورؤساءها، ومرؤوسيها، ليتهم حفظوا الحديث حروفا وحدودا، فتجنبوا الغش بكل صوره وأشكاله و" لكنهم قوم لا يعلمون" .
وأختم هذه المقالة برؤية (مقاصدية) لموضوع الغش وارتباط تحريمه بكليات الدين وضروراته الخمس، فقد علم في الدرس الأصولي والمقاصدي أن المحرمات في الإسلام يزيد تحريمها قوة، وآثارها خطورة، بقدر مساسها بكليات الدين وضروراته، وتهديدها لكيان هذه المقاصد التي روعيت في جميع الملل والأديان والمذاهب، وهذه الكليات محصورة في حفظ (الدين، النفس، العرض، العقل، المال)، وهي كليات مستقرأة بطرق علمية بلغت مبلغ اليقين، بحيث إذا لمحت أي حكم شرعي في أي باب من أبواب الفقه، وجدته يرجع بالأصالة أو بالتبع إلى هذه الكليات وجودا وعدما، أي من حيث كان الشيء مطلوب الفعل أو مطلوب الترك، ويدخل في هذا " الواجبات، والمندوبات، والمحرمات، والمكروهات، والمباحات "، وهي ما يعرف بالأحكام التكليفية الخمسة. كما أن الشارع جعل للحفاظ على هذه الكليات تشريعات زجرية مما يعرف بالحدود، ووكل أمر التوسع فيها رعيا للمصالح ودفعا للمفاسد إلى نظر المجتهد (القاضي) مما يسمى بالتعازير.

فلا شك إذن أن (الغش) بجميع أشكاله يخل بتوازن هذه المصالح والكليات، ويهدد كيانها، بل قد يكون عامل هدم لها إذا استفحل وانتشر وشاع، فلا يتصور تدين وحفاظ على (الدين) بمفهومه العام عقيدة، وشريعة، وأخلاقا، إذا كان المكلف (غشاشا) في تلقيه وفهمه وتنزيله، بل إن كثيرا من (النفوس) أزهقت تحت الردم كان الغش في البناء سببها، وعدد من قتلى حوادث السير كان الغش في حيازة رخصة السياقة مبدأها، بل العجيب من هذا أن الغش بمعناه الواسع بما هو انتقاص من حق الغير، قد يكون سببا في عدم توثيق (الأنساب) ويكون هادما لها بوجه من الوجوه، أما (العقل) فقد حرص الشارع على حفظه بتحريم كل ما يحجبه من خمر وغيره، ومن ههنا فقد يكون الغش والتقصير في إحسان صنع بعض الأدوية المستعملة في الطب النفسي مثلا سببا في اختلال العقل وذهابه لمن تناوله وتعاطاه، ثم إن الغش في البيوع وسائر أنواع المعاملات (المالية) لا يحتاج منا إلا مزيد بيان وتدليل، فالحديث موضوع المقال أصل في هذا الباب كما ذكرت.

قد لا أكون موفقا في إيراد أمثلة من الفقه في هذا الصدد، غير أن الأمر بين واضح العلاقة بين تحريم الغش وضرورة المحافظة على كليات الدين وأصوله الضرورية، فإن الغش آفة ينبغي التضييق عليها ومحاربتها شرعا، وقانونا، وتربية، وتوعية، ودعوة. فالمجتمع القوي، والتعليم الراشد، والمؤسسات السليمة، والمستقبل الزاهر للأمة والبشرية، كل هذا رهين بأن يكون مما أسس بنيانه على الإحسان والإتقان والبعد عن كل مظاهر الغش والخداع، وقد قال الله تعالى:(أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين)، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه والمؤمنين.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع