المقالات

خطاب حزب الاتحاد الاشتراكي بين الماضوية والتيه و التشنج بيان المؤتمر السابع للنساء الاتحاديات في 25/12/ 2013 نموذجا

 قبل الخوض في غمار تحليل الخطاب وسبر أغوار الأفكار، أعرج على أمرين :

أولا:على الاعتراف بتضحيات ونضالات المخلصين لمبادئهم من اليساريين عامة والاتحاديين خاصة. وإن اختلفنا في المنطلقات والرؤية المرجعية، وبغض النظر عن نجاعة طرح من عدمه ، فإنهم سطروا بدمائهم الزكية اسطورة مناهضة الظلم والسعي لعدالة إجتماعية وتثبيت الحقوق والحريات. وعديد منهم ذهب ضحية تصفية حسابات بين رفاق الدرب بل تاجر البعض بقضاياهم ولا يزال . وانكفأت هامات عملاقة في الفكر والسياسة والدين إلى الوراء عندما رأت الراقصين على جراح رفاقهم  يتناسلون من الرحم التي ولدتهم، ويذيبون مبادئهم في حمأة الذاتية والشخصانية والانغلاق.

  فتحية للذين قضوا نحبهم و"ما بدلوا تبديلا " وتحية لمن جعلوا مواقفهم الصامتة والناطقة أحيانا،علامات تشوير للتدليل على المنعرجات والانحرافات والتنبيه إلى الخطر المتنوع في مسار النضال والمدافعة .

لقد تعلمت منهم الكثير سياسيا ونقابيا وحقوقيا وفي القانون و الثقافة ،والابداعات الفنية :في الرواية والمسرح ،والأغنية الملتزمة... والدراسات السيكوـ سوسيولوجيا ...

هذا ليس نفاقا ولا مجاملة ولا تملقا، إنما حقيقة ومبدأ راسخ امتثالا لقوله تعالى: ولا تبخسوا الناس أشياءهم "الآية 85سورة الأعراف وقوله :وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا  "الآية 152 سورة الأنعام هذا هو ديننا الذي يأبى علينا التحنيط في مشاعر طوباوية وخلجات نفسية جامدة، أي الانحسار عن الحياة الاجتماعية والسياسية  كما يريده ذ/ لشكر ومريدوه.

   ثانيا: أعرج على الإشارة إلى السياق الداخلي الذي انعقد فيه المؤتمر السابع للنساء الاتحاديات، وهو سياق هزات قوية قبل مؤتمر انتخاب ذ/ لشكر كاتبا عاما وأثناءه، وبقيت لها ارتجاجات ما بعده، مما حدا بالقيادة إلى تصريف الاحتقان الداخلي على مسارين :الأول مهاجمة الثوابت والمرتكزات للأمة، واستدراج أبو النعيم وأمثاله للعراك.

ثانيا: تحريك الجناح النسائي الذي يكون أقل تأثرا بالاحتقانات والتجاذابات، وأكثر إخلاصا للمبادئ والقناعات. فتم إصدار بيان(مذكرة) فيه من الجرأة على الثوابت والمقتضيات الدستورية ، والجنوح إلى تحنيط دين الاسلام وفق مقاربة لا دينية، وإسقاطات معرفية لطبيعة المسيحية المحرفة على دين خالد ، حفظته الرعاية الربانية من كل تحريف "إنا نحن نزلنا الذكر،وإنا له لحافظون"الآية.في نهج حربائي لا يجرؤ على البوح بالمكنون والقصد المستور .

 ثم لقد أثبتت المرأة الاتحادية عن فاعلية أقوى وديناميكية أكبر في الآونة الأخيرة.وهذا ما استغلته القيادة الحالية تصريفا للاحتقان، وتعويضا عن حالة الإرباك والضعف الذي تعيشه، بعد الانتقال من دفئ الأغلبية إلى برودة موقع المعارضة.

ثالثا:على مستوى الشكل :جنح البيان ليكون مذكرة ترافعية احتجاجية مطلبية أكثر منه بيانا ختاميا للقاء نسائي.

وبعد هذه التوضيحات وفي الموضوع:نحدد سمات الخطاب الوارد في البيان السالف الإشارة إليه ويمكن إجمالها في الآتي:

1. خطاب لا ديني يأبى البوح الصريح فيلجأ إلى منهج التفافي التوائي مما جعله يسقط في التذبدب والتناقض : فهو يدعوإلى: "...الفصل الصريح بين الدين والسياسة ... و البيان في جملة تفاصيله،دعوة ضد الثوابت الدستورية (الملكية ـ الاسلام ـ الوحدة الترابية) التي أجمعت عليها الأمة: إسلامية الدولة التي أكدها تصدير الدستور والفصل3 وما أثبته الفصل 41 من إمارة المومنين واختصاصاتها. إذن هي دعوة لا دستورية ترمي إلى تجريد النظام السياسي بالمغرب الذي انبنى ولا زال على الشرعية الدينية كافلة الحقوق للجميع، منه الطائفة اليهودية المغربية التي لم نر منها شيئا مما نراه من يساريين مغامرين متجرئين لا يعرفون ضوابط ولا حدود.

   زد على كل هذا ضبابية الموقف من الصحراء المغربية، فقد تكلم البيان عن مغربيات محتجزات خارج الإطار التقليدي للصراع السياسي، من زاوية البعد الانساني والحقوقي. فالصراع سياسي حسب البيان ،وليس انفصاليا دمويا معتديا تلعب فيه الجزائر الدور الرئيسي . والذي قام بالاحتجاز نكرة .ثم إن الصياغة التي وردت في البيان تخفي ضبابية الموقف وراء ذكر الوحدة الترابية في سياق سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ،والإعلان بعدها عن التضامن مع محتجزات تندوف ووفق السياق المشار إليه جاء في البيان:إذ يؤكد(المؤتمر) تشبثه بالوحدة الترابية التي يعبر عنها الشعب المغربي بكل تلقائية ووطنية، ومن أجل استكمال هذه الوحدة بتحرير سبتة ومليلية والجزر ‹›الجعفرية››الخالدات يعلن تضامنه الكامل مع النساء المغربيات المحتجزات في تندوف خارج الإطار التقليدي للنزاع السياسي ومن الباب الحقوقي والإنساني"

  وبعد التجرؤ على الثوابت ودعوة الفصل والتحنيط  للدين و التي تجعل من الانسان مركبا مزجيا و انفصاميا، يعتقد و يحمل من المشاعر والآراء والأفكار ما شاء ،ويعمل بخلافها في حياته، تأتي الإشارة في البيان إلى  "...مسؤولية الدولة من خلال ما تستدعيه من تدبير عقلاني مؤسساتي للحقل الديني يكون من شأنه إنتاج خطاب ديني تنويري، (...)، إن قراءات مستنيرة لتراثنا الديني والحضاري هي قراءات مطلوبة بإلحاح، بما تجعل من عقيدتنا مشتركا لتقدم مجتمعي".

   وهنا نتساءل : كيف تشن حرب للفصل النهائي بين الدين والدولة والسياسة ، وفي نفس الوقت تتم الدعوة لبلورة خطاب ديني تنويري ، ولست أدري ما الذي سينيره هذا الخطاب ؟!! وكيف نجعل دينا سجين وجدان محنط الأركان عقيدة مشتركا لتقدم مجتمعي دون جعل هذا المشترك حاضرا في كل مجالات العمل بهذا المجتمع ؟!! هنا التناقض والتيه واللامنطق.

     ولقد حدد القرآن مقصد إرادة التحرر وفصل الدين عن الحياة بقوله تعالى : "بل يريد الإنسان ليفجر أمامه" الآية من سورة القيامة .إنها دعوة للتحرر المطلق من أجل الشهوانية والأنانية واللاذاتية المطلقة التي تسفر على تعد مطلق على حقوق الآخرين ، فمطالب الشهوانية في كل أبعادها ليس لها حدود،ولا ضير فغايته تحدد وسيلته.

      نعم إن هناك تأويلات وتوظيفات نصية جامدة وخاطئة للدين من متدينين وغير متدينين. لكن هناك أيضا تأويلات خاطئة ومبتسرة وميكانيكية "للمواثيق الدولية"، التي يدعو البيان إلى أن تسمو فوق الشرع والقانون!!وهل هناك دولة في العالم تتعامل معها بهذه النفسية المهزوزة والمهزومة .وفي تشريعات الصين عبرة لمن أراد أن يعتبر.

 ثم اسألوا اهل الاختصاص، فقط عن حجم آثار الترجمة الخاطئة لنصوص قانونية .، ناهيك عن الملائمة للمعدلات الاجتماعية ، وعن الخلفيات الفكرية والسياسية لها ...الخ 

2.خطاب اختزالي لقضايا الأمة والأبعاد الحضارية المطلوبة في بعد قانوني ،حقوقي ،مسطري بحث مما يجعل الخطاب خطاب نخبة النخبة، وهذه  انتكاسة في خطاب الاتحاد الاشتراكي الذي كان خطابا جماهيريا بامتياز .

وهو اختزالي أيضا لأنه يتحدث عن المرأة ككيان مجرد منفصل تمام الانفصال عن طبيعته الانسانية وروابطه الاجتماعية:كجدة ،وأم ، وزوجة ،وأخت ، في علاقتها بالرجل كأب وأخ وشريك حياة ، كما أثبت ديننا ف" النساء شقائق الرجال" الحديث .

ولمزيد من التجرد والانفصال يدعو البيان إلى شرعنة جريمة الاجهاض مخالفا بذلك المقتضى الدستوري للفصل20، وفي تعد سافر على حق الحياة الذي كفله ورعاه الاسلام ، والانسان لا زال مهينا ضعيفا نطفة ومضغة وعلقة ، وليس فحسب غضا قويا له من قوة المدافعة ما له .

وهو اختزالي أيضا لمقاربة النوع بتأنيث هذه المقاربة وسحبها عن جميع الفئات الأخرى (أطفال ، شيوخ ، أصحاب الاحتياجات الخاصة ...) ، وتأويل متعسف لمقاربة المناصفة ، لقتل التنافسية وتكافئ الفرص ، والمساواة أمام القانون.

   كل هذا يدفع نحو الصراع والتصادم لا التساكن والتواد والحب للنوع المكمل والمختلف ، وهذا يخالف الرؤية القرآنية التي أقرت في أربع آيات قصار نوعية التمايز والاختلاف بين الرجل و المرأة .وما أقسم الله بشيء إلا لأهميته و لفت الانتباه إليه :{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏(‏1‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏(‏2‏)‏ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏3‏)‏ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ‏(‏4‏)‏. وفي اختلاف الليل والنهار، آيات كونية .اختلافهما نوعي تكاملي لايضايق أو يضيق أحدهما بالآخر،ولا يلغيه و لايتحرج منه. كذلك الذكر والانثى. وهذا ديدن القرآن يقرب لنا المعاني العصية على الفهم بصور حسية.لأن الذي يعلم السر وأخفى يعرف ثقتنا الزائدة في أفكارنا،وغرورنا،وجرأتنا على حلمه وعفوه  وفيض رحمته .فتقابل الليل والنهار وتقابل الشمس والقمر، كتقابل الذكر والأنثى" لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون " سورة يس . لكل من الذكر والأنثى فضاؤه وفلكه الذي يجري فيه بتناغم مع النظام الكوني،والطبيعة الانسانية لأن هناك سعي ووظائف ومهام شتى ينوء بحملها الجزء المنفرد للكيان الإنساني فيجب الدوران في الفلك الخاص وفق الطبيعة والنوع والاستعداد والتكامل والقدرات والمؤهلات. وكما تحمي الكواكب بعضها بعضا في تفاعل انجذابي ، يحمي الذكر الأنثى والأنثى الذكر في تفاعل انجذابي أيضا وانسيابي وتفاعلي في آن . قال تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن." الآية. وتأمل الآيات :" ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون "الآية وقوله تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" .إن التمييز والتمايز مطلوب عندما يكون وسيلة لتكامل الأدوار ،وسحرا قاهرا للجذب والانجذاب . وإن التماثل مبغوض عندما يكون مطية للتنافر، وتشويه الذات ومعاكسة الآخر بغير حق ، ولذلك ذم الحديث النبوي " المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال".

  هذا الدين بالرؤية الصافية لا يرفضه ويدعوا إلى تحنيطه من المسلمين إلا من سفه نفسه. وصحيح أن من المتدينين من يقدم أسقاما على أنها أفهاما للدين، ويظهر من السلوكات المنحرفة بلباس و"ماكياج" تديني  ما يبعد الناس عن الاسلام مسافة أميال وأميال .

3. خطاب مأزوم وماضوي يقفز على أحداث مهمة تسجل بمداد الفخر بمغرب اليوم،و ينسبها لمن ليس له يد فيها، مما يدل على تضخم النرجسية الذاتية وأنانية مفرطة جاء في البيان:"وتوالت مكتسبات النضال النسائي في ظل حكومة التناوب التوافقي بقيادة كاتبنا الأول السابق المناضل عبد الرحمن اليوسفي، توجت بدسترة المساواة والمناصفة وحظر ومناهضة كل أشكال التمييز في دستور 2011" هكذا  يتم القفز على الخطاب الملكي والمبادرة الحكيمة والاستباقية لتغيير الدستور، و وما ألقت الثورات العربية من ظلال على المشهد السياسي المغربي ،فتم تجاهل حركة 20 فبراير وتحريكها للراكض الآسن في واقعنا .فتنسب الفضائل لقيادي اتحادي سابق ،مع تقديرنا لشخصه،لكن  بينه وبين أحداث ودستور 2011 أمدا بعيدا .

4.  خطاب متشنج نابع من نظرة تحاملية، تسود (بضم التاء وفتح السين وكسر الواد وتشديده)وجه المغرب وترسمه مشهدا مظلما قاتما، ليس فيه إلا الهلاك و الكراهية فتجيش المشاعر للصراع والاكتساح والتصدي ... مما يدل على غياب روح المسؤولية  ونفس (بفتح الفاء)المواطنة الصادقة، وذلك باطلاق الكلام على عواهنه دون مراعاة المآلات والآثار محليا ودوليا. وانظر إلى المعجم المصطلحي الموظف في البيان (المذكرة) :"...  تفاقمت  ... الاحتقان ... وانتكس .... وانكمشت ...    لم تقدر   ........ في قلب صراع ... أن يتقدمويكتسح...   وتكريس ... نكوص وارتداد  ...  ترسخ هيمنة ...يفرض.... التصدي...

 وهذه مغلاة في طهرانية الذات ،ووجاهتها وتصوير الآخر شرا سرمديا  ، مما يؤشر على عقلية منغلقة لا تدع مساحة للتعايش مع المخالفين . ونفسية مأزومة لا تقر لهم بفضل أو خير .فهل يحتاج بعض المناضلين إلى عقوبة كتابة ألف مرة قصيدة :

    قال السماء كئيبة فتجهما               قلت  ابتسم يكفي التجهم في السما.

وختاما : أتمنى من نخبة سياسية وفكرية  يسارية أن تكون على قدر كبير من المسؤولية  والمواطنة الصادقة ، و الاستعداد لقبول الآخر ، وتدير الاختلاف بروح عالية وتنافسية شريفة .

حرر في 15 ربيع الثاني 1435 موافق 15 فبراير 2014

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع