المقالات

نظرات في اصلاح التعليم العربي الاسلامي بين الأمس واليوم

إن الإحساس بضرورة الاصلاح داخل الامة الإسلامية والعربية والتفكير بحل للأزمات ليس بالأمر الحديث فقد بدأ مع الاجتهاد الإسلامي الفردي الذي تمثل في كوكبة من الأعلام مثل الامام الغزالي والعز ابن عبد السلام والقرافي والشاطبي وغيرهم، ولعل أول من تحدث عن اصلاح البرامج التعليمة هو الامام ابن العربي (450هـ)، حين نادى بتدريس الصبيان العربية والشعر العربي قبل تحفيظ القرآن الكريم.[1] ويمكن أن نعتبر كل من حملة نابولبيون على مصر سنة 1798م واحتلال الجزائر سنة 1830م ومعركة إيسلي سنة 1844م محطات للانطلاقة في مرحلة جديدة من تاريخ الاصلاح العربي والاسلامي ومعها تغير مفهوم ومعنى الاصلاح بين القديم الذي كان يرى أن الخلل ذاتي وبين الحديث الذي اضاف عنصر تفوق الأجنبي[2]، فكانت بداية ظهور أفكار وحركات إصلاحية حديثة تكاد تُجمع على أن مخرج الأمة من هذه الأزمات لا يمكن أن يكون إلا بالتعليم لذلك ساهموا في بناء المدارس وإرسال البعثات الى الخارج[3].. إذن فماهي أسس ومرتكزات ومنطلقات هذا الإصلاح ؟ وما أهم مظاهر الأزمة المتوافق حولها؟ وما أهم الأفكار المقترحة لتطوير المنظومة التعليمية؟

ان الأساس الذي انطلقت منه أغلب الحركات الاصلاحية في العالم العربي والاسلامي لإصلاح التعليم كان هو المرجعية الاسلامية وما راكمه الفكر الاسلامي، ومن أهم هذه الأسس التأصيل القرآني وكذا السنة النبوية لضرورة التربية والتعليم في الأمة وأنه فرض عين على كل مسلم[4]... كما نجد الموروث التربوي حافلا بالتوجيهات والارشادات والكتابات التي تظهر وتأسس لأهمية التربية والتعليم في الحضارة الإسلامية.

أما المنطلقات التي أرى أنها دفعت بالمصلحين لتفكير بالإصلاح والتي لا توجد عند أمة من الأمم فيمكن حصرها في منطلقات عقدية واخرى تاريخية وهي كما يلي:

· خيرية الأمة؛ أنها أخرت لناس رحمة، وأنها تحمل مسؤولية قيادة العالم لما فيه خير وصلاح العباد، وهذه الخيرية لا يمكن أن تتحقق إلا بالتقدم العلمي والصناعي والثقافي والاقتصادي... كما أن على عاتقها مسؤولية إعمار الأرض وتنميتها، وتحقيق الاستخلاف الذي لن يتحقق إلا بتوفير الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة..

·العمق التاريخي والحضاري لهذه الامة والتي تمتد لأزيد من خمسة عشر قرناً مما يجعلها تستعصي على النسيان والانهيار في مدة قصيرة..

ان الأزمة التي أصابت التعليم في العالم الإسلامي ما هي إلا تجلي لأزمة عامة أصابت الأمة الإسلامية، باعتبار ان النظام التعليمي يتأثر إيجابا أو سلبا بالواقع المعيش، ويمكن تلخيص أسس أزمة الأمة عند  د.سعيد اسماعيل علي فيما يلي[5]:

· انصراف معظم بلدان العالم الإسلامي عن تطبيق شرع الله

· انتشار الجهل والخرافات والأمية بين المسلمين

· التفرقة بين المسلمين

· التخلف الحضاري العام

· الوقوع في براثن الهيمنة الأجنبية

· الخلل في ترتيب الأوليات

· الماضوية وقصور الخطاب الإسلامي

· التشدد و الغلو في الدين

· التخلف العلمي و التقني..

كل هذا أدى بانعكاسات سلبية على منظومة التعليم أهمها: 1-افتقاد الفلسفة التربوية العامة 2-تعليم يخدم الأجنبي 3-الازداوجية التعلمية 4-تشوه التربية الدينية..

وقريبا من ذلك يعتبر د. عبد الحميد ابو سليمان أن الأمة تعاني من تشوهات على مستوى الرؤية الإسلامية والمنهجية والمفاهيم والخطاب وعقلية الشعوذة والخرافة والعرقية، -فهي إذن أزمة فكرية بالدرجة الاولى- لا بد من معالجتها معالجة تربوية لذلك عنون للفصل الثالث من كتابه أزمة الإرادة والوجدان المسلمبـالطفل قاعدة الانطلاق وعنون للفصل الرابع بـ: الحل الأساسي بناء الطفولة.

ومن أهم العوائق الذاتية في منظومتنا التعليمية تلك التي تحول بين المتعلمين واستخدام عقولهم؛ فنجد الاعتماد على التلقين وتغييب النقاش وثقافة الحوار في المدارس، ونجد تبني الأحكام المسبقة وغياب التربية على آدب الاختلاف..

ويرى كل من علال الفاسي ومحمد عابد الجابري أن وجود نمطين من التعليم في المغرب؛ احدها فرنسي متقدم وأخر مغربي تقليدي أدى إلى ظهور انفصام في الشخصية المغربية، كما عمق الهوة بين النخبة العصرية والنخبة التقليدية، فأصبحنا أمام نمطين فكريين متنافرين إلى حد بعيد.

إذا كانت الآراء تتقارب على مستوى التشخيص فإنها قد تباينت على مستوى التنظير واقتراح الحلول العملية للخروج من هذه الأزمات؛ بين حل تغريبي وأخر تقليدي جامد على القديم ليظهر اتجاه أخر يمكن وصفه بالتوفيقي[6]، وتتلخص أهم الأفكار الاصلاحية التربوية عند هذا التيار فيما يلي:

· الدعوة الى تأسيس المدارس الحرة التي تحافظ على الهوية العربية الاسلامية

· الدعوة الى اشاعة روح العدل والمساواة ونبذ الطبقية في النظام التعليمي

· الدعوة الى محاربة الامية والجهل وتعليم الكهول وتعليم المرأة.

· الدعوة الى الاستفادة من المناهج الغربية والعلوم والنظريات الحديثة بما لا يخاف الثوابت

· الدعوة الى محاربة الجمود والتقليد الذي يتجلى في الاقتصار على مقررات وكتب قديمة لا تستجيب لمتطلبات العصر

·  الدعوة الى تعميم وتوحيد وتعريب ومجانية التعليم

وللخروج من أزمة التعليم كما يرى د.سعيد اسماعيل علي لا بد من ضرُرَت المرور بالخطوات التالية: 1-التأسيس الإسلامي للعلوم التربوية 2-العدل التعليمي 4-التوجيه الاعماري للتعليم 3-تنمية التفكير.

إن اصلاح التعليم اليوم لابد وأن يقوم على ارادة حقيقية للإصلاح، ثم التركيز على اعادة النظر في عناصر المنظومة ومدى استجابتها لحاجات المتعلمين وقضاياهم الراهنة (المراهقة/ الإدمان/ العنف/ التحرش/ التربية الجنسية/ الغش..) ومتطلبات الواقع وانتظارات المستقبل..

مما سبق دراسته حول هذه المشاريع الاصلاحية للتعليم في العالم العربي والإسلامي يتبادر إلي ذهني سؤال مفاده: هل استطاعت هذه الحركة الاصلاحية المساهمة في تشكيل مقومات نظرية تربوية إسلامية؟ وهل تم تنزيلها على شكل مشاريع؟ وهل يعد الميثاق الوطني للتربية والتكوين المغربي أحد هذه النماذج الناجعة في التوفيق بين مختلف الرؤى والمشاريع الإصلاحية التربوية؟

أم أننا لا نستطيع تكوين نظرية تربوية اسلامية وسنكتفي بتصور إسلامي للتربية بدل نظرية شاملة، كما يقول الدكتور على أحمد مدكور؟[7]

إعداد الطالب الباحث: محمد زمراني

ماستر التربية والدراسات الاسلامية -تطوان-


[1]قال: لأن الشعر ديوان العرب و يدعو على تقديمه و تعليم العربية في التعليم ثم ينتقل إلى درس القرآن ثم قال: و يا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أوامره يقرأ مالا يفهم و ينصب في أمر غيره أهم ما عليه منه. (أنظر: مقدمة ابن خلدون، الفصل التاسع و الثلاثون: في تعليم الولدان و اختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه)

[2]إن العنصر الحاسم بين الاصلاح القديم والاصلاح الحديث هو لاعتراف بالهزيمة أمام الأجنبي الذي كان شبه غائب في النمط الأول من الاصلاح (أنظر: ندوة الاصلاح والمجتمع المغربي ق19 ص21)

[3]الطهطاوي أسس مدرسة الألسن/ عبد السلام بنونة أسس مدرسة حرة في تطوان وأرسل البعثات الى المشرق العربي/ الحجوي ساهم في تجديد مناهج التعليم في القرويين/ ...

[4]كما روي عن النبيr: طلب العلم فريضة على كل مسلم.

[5]الدكتور: سعيد اسماعيل علي، أصول التربية الإسلامية

[6]ومن الأعلام الذين يحسبون على هذا الاتجاه أمثال: محمد الطاهر بن عاشور ومحمد بن الحسن الحجوي وعبد السلام بنونة وعلال الفاسي وعبد الله كنون...

[7]كما يقول الدكتور علي أحمد مدكور: إننا في العالم الإسلامي لسنا بحاجة إلى نظرية تربوية ، بل نحن بحاجة إلى تصور إسلامي للتربية ؛ ذلك أن أي نظرية لا بد أن تبنى على فلسفة ولا يوجد في إسلامنا فلسفة بل شريعة ربانية المصدر ، كما أن كل نظرية تبنى على ثلاثة أمور أساسية وهي : المصادر ، والمقاصد والغايات ، و الوسائل والأساليب والطرائق ، ويستطيع أصحاب النظرية تغير وتطوير ما يشاءون منها بينما في التصور الإسلامي فإن المصادر والغايات ثابتة لأنهما مستمدة من العقيدة أما الوسائل  والأساليب والطرائق فهي قابلة للتطوير (د.علي أحمد مدكور، نظريات المناهج التربوية، الطبعة الأولى، 1997، دار الفكر العربي مدينة نصر ، ص 21-26)

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع