المقالات

موسم الأحزان

اعتاد الناس إقامة مناسباتهم السعيدة و أفراحهم كلما أتيحت لهم الفرصة في زفاف أو عيد ميلاد أوعقيقة أو لحظة فرح أخرى، فيجلبون بأموالهم الخاصة الفنانين و المجموعات الغنائية المختلفة، و يدعوون أحبابهم و أقاربهم و أصدقائهم و معارفهم و جيرانهم وحتى من هم بعيدين عنهم . فيستمتعون بوقتهم و يضحكون و يمرحون و يأكلون و يشربون ثم ينصرفون. لكنهم يوقفون تلك الأفراح أو يؤجلونها و في أحيان أخرى قد يلغونها إذا ما كان أحد أقارهم أو جيرانهم أو أصدقائهم يعاني من حالة حزن أو يعيش ظرفا سيئا احتراما لمشاعره و أحاسيسه و تضامنا معه و أملا في مساعدته معنويا و ماديا للخروج من محنته و حزنه. و للأسف الشديد لا نجد هذا التضامن و هذه المراعاة للأحاسيس عندما يتعلق الأمر بالمال العام الذي يفترض أن نجد فيه هذا المشهد أكثر من المال الخاص. و سنضرب مثالا في ذلك حينما نتكلم عن موسم " التبوريدة " أو ما يسمى مهرجان  ألف فرس و فرس  الذي يقام كل سنة في مدينة الفقيه بن صالح ، حيث ترصد له أموال ضخمة من أموال ساكنة بني عمير و ملايين أخرى من شركات عامة و خاصة. فهل ساكنة الفقيه بن صالح تعيش حالة من الرفاهية و الازدهار تسمح لها بإقامة الأفراح؟ و هل مدينة الفقيه بن صالح مجهزة بكل البنيات التحتية و لا ينقصها شيء إلا الموسم ؟ و هل المؤسسات التعليمية متوفرة بالشكل الكافي و مجهزة بكل الأدوات و الوسائل التي تسمح بتعليم جيد ؟ و هل المستشفيات تحتوي على كل الإجهزة و المعدات و أطر طبية كافية لتوفير الرعاية الصحية لكل العميريين ؟ ألا يوجد هناك فقير أو متسول أو مشرد أو معطل في المدينة ؟ و هل الكل سعيد و لا يوجد حزين بين العميريين حتى نقيم هذا المهرجان و نفرح و نرقص و نغني ؟ و هل دخل الفرد في هذه المدينة الفوسفاطية كدخل مواطن يعيش في الكويث مثلا ؟ ثم من هو المستفيد أصلا من هذا المهرجان؟

لن أتكلم بلسان مواطن عميري و سأترك الحديث لزائر يزور المدينة لأول مرة . فبمجرد ما تطأ قدماه هذه البقعة من التراب المغربي حتى تبدأ ملاحظاته التي لن تنتهي أبدا . فأول شيء سيجعله يتقزز و يتغير لونه و يكره اليوم الذي قرر أن يزور هذه المدينة هو تلك الرائحة الكريهة التي لا تطاق و المنبعثة من مصنع الحليب الموجود في المدخل الشمالي و التي أزعجته كثيرا لدرجة أنه كاد يعود من حيث أتى لكنه تذكر المهمة التي كلفناه بها فقرر أن يصبر و يواصل المسير حتى وصل إلى القاعة المغطاة و هي  خاوية على عروشها و لم يتمم بنائها بعد . فتساءل مستغربا أليست هذه القاعة و مشكل تلك الرائحة أحق بأن تصرف فيها تلك الأموال أم ذلك الموسم الذي لن يقدم و لن يؤخر شيئا . واصل المسير في الشوارع و الأزقة فلاحظ أن هناك مجموعة من الأرصفة ينقصها التبليط و بعض كراسي الحدائق مقتلعة و العشب يغيب أحيانا في بعض الحدائق التي ينقصها التنظيم . و بينما كان يواصل النظر في تلك الشوارع وقعت رجله في أحد الحفر ، التي تشكلت إثر اقتلاع أحد البلاطات من مكانها ، فسقط أرضا فجرحت يده و تم نقله على وجه السرعة إلى المستشفى الإقليمي لمدينة الفقيه بن صالح ؛ و في الطريق كان مستغربا من السهولة التي تقتلع بها تلك البلاطات و التي كان من المفروض ان تكون مسلحة بالاسمنت تسليحا جيدا حتى تكون لها مقاومة أكبر من تلك التي توجد عليها . فأليست أموال العامة أحق بأن تصرف في هكذا أمور من المهرجان؟

عندما وصل إلى المستشفى أخبروه بأنهم لا يمكن أن يعالجوا جرحه ، و الذي يبدو بسيطا ، لأنه جاء قريبا من أحد العروق الدموية و ليس في المستشفى اختصاصات و أطر كافية . فأرسلوه إلى المستشفى الجهوي لبني ملال حيث عولج هناك ثم عاد متعبا فقرر أن يجلس في أحد المقاهي وسط مدينة الفقيه بن صالح . و لسوء حظه كان ذلك اليوم يوم الأربعاء . طلب  كأس شاي بــ " الليوزة " ليهدأ من روعه من شدة ما مر به طوال اليوم . و أخيرا أصبح الكأس جاهزا. وضع يده على الكأس ثم رفعه باتجاه فمه، فجأة وقف متسول أمامه يطلب منه صدقة أعاد الكأس قبل أن يشرب ثم أخرج درهما و منحها إياه . بعد ذلك عاد إلى الكأس ليستمتع بشرب ذلك المهدئ ، لكن وقفت أمامه متسولة تطلب أيضا الصدقة أعطاها هي الأخرى درهما . و بقي الأمر يتكرر معه هكذا حتى أفرغ كل ما في جيبه من الدراهم و بقي يردد " الله يساهل " مرات عديدة لم يعد يذكر عددها لكثرتها . صار كأس الشاي باردا فغضب غضبا شديدا ثم غادر المقهى دون أن يحتسيه . فكر في الذهاب إلى مكان مغلق لا يمكن أن يطارده المتسولون فيه ، فقرر الذهاب إلى السينما لكنه علم أنه لا توجد قاعة سينما بالمدينة . ازداد غضبه ثم واصل السير فإذا به يريد أن يقضي حاجته . بحث عن مرحاض لم يجد . فسأل أحد المارة فأخبره بعدم وجود المراحيض بالمدينة. فتعجب تعجبا شديدا كيف لإقليم كبير كهذا لا يوجد فيه مرحاض واحد ؟ فقرر أن يرحل لكننا أعدناه بصعوبة بعدما وفرنا له المكان الذي قضى فيه حاجته.

واصل السير و  في طريقه وجد بأحد الشوارع مجموعة من الشباب المعطل و الذين يطالبون المسؤولين بتوفير فرص للعمل حتى يوفروا لأنفسهم و لأسرهم عيشا كريما ، و كانوا ينددون بتبذير المال العام على مهرجان ألف فرس و فرس ، و يرون أنهم و أبناء المنطقة و المدينة نفسها في حاجة لتلك الأموال أكثر من صرفها على ما يسمون أنفسهم فنانين . فاستغرب كثيرا هذا الزائر لمدينتنا : كيف نقيم الأفراح و الحفلات و نحن نعاني من كل تلك المشاكل ؟ فقلنا له أنك لم ترى بعد كل المشاكل ، حاول أن تزور المناطق الهامشية و العشوائية لترى الفقر و الهشاشة  و المعاناة و لترى كم من البنيات التحتية التي تنقصنا . لكنه قال لنا : لقد اكتفيت بما رأيت و سأذهب من الجهة الجنوبية حتى أتفادى تلك الرائحة الكريهة . فكانت صدمته قوية حينما أخبروه أن ذلك الوادي المتعفن الذي ينشر تلك الرائحة يصل حتى الجهة الجنوبية ، فكاد ينفجر غضبا . فذهب مسرعا من حيث أتى . فرأى في طريقه مجموعة من المتشردين الذي ينامون في الشارع ، و بينما كان ينظر إليهم  و يأسف لحالهم مر حجر طائش بالقرب من رأسه ، أرسله أحد المجانين الذين يتجولون في الشارع  بكل حرية ، فقال : يــا لــطيف أي مدينة أنا فيها ؟ و فر هاربا و لم يعقب.

إذا كان هذا حال زائر فما بالك بمن يقطن فيها فهو يعرف البئر و غطاءه . و لأننا نحرص على متابعتكم القراءة حتى النهاية ، لن نترك المجال لأحد ساكنيها خوفا من عدم قدرتكم على تحمل ما ستعرفونه منه عن حقيقة هذه المدينة التي يسيئ إليها مسؤولوها إساءة كبيرة . لن نتركه يتكلم عن الصفقات العقارية و الرخص و إستغلال الممتلكات العمومية و  المخدرات و الخمور و بيوت الذعارة و أراضي الجموع و إحتجاجات " أولاد هاتن " و " الكريفات"  بسبب سرقة أراضيهم و اشياء أخرى كثيرة.

و لا شك و لا ريب أن ساكنة الفقيه بن صالح لا تستفيد من هذا المهرجان شيئا بل المستفيدون الأساسيون هم منظموه الذين يصرون عليه بالرغم من كل تلك المشاكل و الأزمات التي يعاني منها أبناء المنطقة ؛ فرئيس المجلس البلدي يحاول جاهدا نشر هذا الموسم و جعله مهرجانا شهيرا يتم الحديث عنه في كل ربوع المملكة و هو ليس بكاره أن يكون صيته خارج أرض الوطن لذلك فهو يسعى لإحضار كبار الفنانين في كل سنة . ففي الدورة العاشرة التي كانت السنة الماضية كان الستاتي نجم المهرجان و هذه السنة في دورته الحادية عشرة صار الستاتي ثانويا رفقة كل من ميلود و حجيب و مجموعة افناير و الغيوان بينما أخذ النجومية نجم الراي كما يطلق عليه الشاب بلال . و هنا يظهر التطور الكبير الذي يحدث و أكيد أن تطور صرف أموال أبناء بني عمير صار أكبر . و هو يحاول تسويق المهرجان إعلاميا على أوسع نطاق في القنوات التلفزية و الإذاعية  و الصحف المكتوبة و الإلكترونية . و طبعا هذا يتماشى مع التطورات التي حدثت مؤخرا فصورة المهرجان الذي كان ينظم وهو رئيس للمجلس البلدي اختلفت تماما عن صورته و هو قد صار وزيرا . كيف ؟ الله و صانعوا القرار في بلادنا يعلمون ذلك .فما يجب معرفته هو أن كل ما يقوم به هذا الرئيس الوزير و حاشيته لن يفيد ساكنة بني عمير بتاتا فهم يأتون للتفرج على ما صنعهم إعلامنا نجوما و هم لا يعلمون بهذا التبذير الخطير للمال العام . و لو علموا لفضلوا تحسين وضعهم المعيشي و تطوير البنيات التحتية لمدينتهم و تشغيل أبنائهم و معالجتهم من الإدمان و المخدرات بدل التفرج على بائعي الكلام الفارغ.

قد يتساءل البعض و يقول و ما الذي سيتفيده هذا الرئيس و المنظمون معه ؟ و نقول لهم أن هذا الرئيس الوزير أولا يبحث دائما على تلميع صورته حتى يكسب الأصوات في الانتخابات و لعل تنظيم مثل هذا المهرجان سيجعل كثيرا من الجاهلين يعتقدون أنه ينعم عليهم من فضله و يريدهم أن يفرحوا و ينشطوا بجلبه أسماء وازنة في عالم الفن من أجلهم و لسواد عيونهم . و لكن لا يعلمون أن تلك الأموال المصروفة هي أموالهم . و بهذه الطريقة قد يستطيع كسب عطف هذه الفئة الغافلة إذا ما احتاجهم . و الأخطر من هذا كله هو أن هذا المهرجان يعد فرصة مواتية لنهب و سرقة أموال العامة من ابناء هذا الوطن الغالي . و لربما تتساءلون كيف تسرق الأموال بهذه الطريقة ؟ و نخبركم عن الطريقة التي تتبع لسرقة المال العام من هكذا مناسبات و هي واحدة من بين كثير من الطرق؛فهم يستخدمون طريقةً قذرةً حيث يقومون بتنزيل قدرَ مبلغٍ معين  من الميزانيّة  لأداء فاتورة البنزين أو إقامة الضيوف  مثلا لكنهم يصرفون مبلغا أقل بكثير من ذلك الذي حددوه في الفاتورة و الباقي طبعا يتم نهبه و بذلك تنجح طريقة اختلاس الميزانيّة العامة بطريقة سلسة و بدون خوف من الحساب . و هي نفس الطريقة المتبعة مع كل الصفقات و العقود المبرمة و التي يمكن اتباعها في هكذا مواسم . ألا لعنة الله على الذين يغشون المسلمين وينهبون أموالهم لعناً كبيراً. وإنما وضحنا طريقةً واحدةً فقط من مئات الطرق عن كيفية نهب الأموال العامة؛ وفساد إداريّ لم يُشهد له مثيل.

و من أجل ذلك أيها الرئيس الوزير المحترم، و يأيها المجلس البلدي الموقر، و يأيها المنظمون المحترمون، نحن لا نريد أن تكون بين أيديكم فرص واضحة للفساد و نهب المال العام، فنحن لا نستفيد من هذا الموسم شيئا. و إن كان و لابد منه فلنكتفي بالفروسية التقليدية فروادها كرماء و يصرفون على أنفسهم و لا يحتاجون أموالا و أيضا إقامة المعارض التي يمكن أن تجلب الأموال لخزينة البلدية ، بالإضافة للمحاضرات و المناظرات العلمية و الأنشطة الثقافية الأخرى التي  لا تحتاج لأموال ضخمة و نجلب بعض الفرق الفلكلورية خاصة المحلية منها و بعض المجموعات الغنائية و التي لا تحتاج الكثير دون "فخفخة" و دون تبذير للمال العام . أما تلك الأموال التي ترصد في هذا المهرجان فلتستتخدموها في الصالح العام لهذه المدينة و ساكنتها. اصرفوها في إنشاء مركز لإيواء المشردين أو مركز لمعالجة المدمنين على المخذرات و السجائر أو شراء كل الأجهزة و المعدات الخاصة بالمستشفى الإقليمي و المساهمة في تزويده بالأطر الكافية أو اصرفوها في إزالة ذلك الوادي الكريه الذي تحدثه فضلات مركز الحليب الذي يلحق ضررا كبيرا بساكنة الفقيه بن صالح أو شغلوا بها الأطر المعطلة لكي تساهموا في التخفيف من البطالة أو وجهوها للأحياء الهامشية. فإن كنتم تريدون صرف المال فهناك الكثير من الأماكن التي تحتاجه أكثر من بلال والغيوان و الستاتي و افناير و حجيب . أما إذا أصررتم على صرفه بهذا الأسلوب الغير عقلاني فأنتم لا تصنعون السعادة و البهجة على ساكنة المنطقة كما يبدو ظاهريا بل تصنعون التعاسة و الحزن بشكل غير مباشر و بذلك لن يكون هذا الموسوم موسم الأفراح بل موسم الأحزان.     

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع