المقالات

عندما يحول منتسبون إلى الاسلام تعاليمه إلى طقوس و تقاليد

سبق أن قلت في مقال "هل ترقى تعاليم الاسلام اليوم أن تكون مواثيقا دولية" أن" الإسلام يقدم اليوم كسفريات في الماضي الغابر، كهلامية وجدانية ليس لها في الواقع العملي أي رصيد. ويقدم كنصوص محنطة في تنزيلات و تطبيقات التاريخ البعيد."

   نعم إن هناك من يحدثك مثلا عن عقيدة التوحيد مختزلة في القبورية و الأصنام كأنها الصورة النمطية الوحيدة للأرباب المتفرقين. وعن أسماء الله وصفاته كمفاهيم مجردة لا أثر لها على الشعور  الشخصي والحس الاجتماعي. ويحدثك عن عالم الغيب معزولا عن عالمك الأرضي، عالم الأحداث و الوقائع المتتالية والمتداخلة المستحدثة والمعاصرة، وكأنك تشاهد فيلما من الخيال العلمي أو تسمع حكاية من حكايات الجدات. قد تبكي تأثرا والبعض يحدثك عن مواقف الموحدين المخلصين، وتضحيات الأنبياء والشهداء والصالحين. لكن بمجرد الانتهاء من الحكاية / الخطبة/ الموعظة/الدرس، وخروجك من فضائها تعود حليمة إلى عادتها القديمة،كما يقول المثل العربي. وتبقى الخطبة على حالها، وربما تسمعها لمرات لا تبديل فيها ولا تغيير ولا آثر لها في النفس ولا على المجتمع على المدى القريب أوبالأحرى البعيد. ولا يرى البعض في المستحدث إلا البدع ولا في الناس إلا الفسق والضلال والكفر.

وقد حذرنا سبحانه من طرف خفي من تحويل الاتباع والاقتداء إلى  تقليد وطقوسية وراثية جامدة بتذكيرنا بكون عائد الأعمال والكسب في يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ليس مشاعا ولا مشتركا بين الأمم  بل كل أمة "لها ما كسبت" فلا تمني أخرى نفسها بأعمال الصالحين من آبائها وأجدادها، والمسؤولية المدنية وحتى الجنائية لكل أمة مستقلة عن غيرها. قال تعالى "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب (بفتح الباء)  الموت(بضم التاء) ، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم واسماعيل واسحاق إلها واحدا،ونحن له مسلمون.تلك أمة قد خلت لها ما كسبت.ولكم ما كسبتم. ولا تسألون عما كانوا يعملون."الاية 132ـ133.سورة البقرة

  نعم ممتع جواب البنين بأن يذكروا شجرة النسب الوارفة الضاربة الجذور في تربة صلاح الآباء و الأجداد لكن التعقيب الإلهي كان أروع وأجمل وأمتع و"لا معقب لحكمه " "تلك أمة قد خلت " انتهت ومضت ولا تتحملون تبعات أعمالها "لها ما كسبت ولكم ماكسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون "الآية

 نعم إن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته قد عملوا ما أملاه الشرع وواجب الوقت بواقعهم وأحداث زمانهم ،لكن ماذا نحن عاملون اليوم في واقعنا وزماننا ؟

 إن القرآن، كما تثبت علومه،نزل إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ. ثم نزل منجما حسب الوقائع والأحداث في تمثل بشري في شخص الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام، وبالتالي فالتعامل مع تعاليم هذا الدين تتم من خلال التنزيل المتجدد من علويته المجردة وصفائه في سمائنا الدنيا بمنهج مقاصدي تنزيلا على وقائعنا وأحداثنا، مع الاستهداء  بالتمثل البشري المثالي والنموذجي الأول إسوة و قدوة. إن البعض يغرقنا في التجربة الانسانية التاريخية الأولى بالاستنساخ المرير والاسقاطات غير المدروسة العواقب،لملابسات الأحداث الماضية مع مقتضيات دلالية لنصوص القرآن والسنة المتلائمة معها، على أحداث راهنة مستجدة .

وللفت انتبهنا إلى خطورة هذا المنحى، حتى لا تأسرنا نوازعنا الأرضية ، ونحول الوحي الالهي إلى طقوس جامدة وإلى كهنوت، انتدبنا شرعنا لإحياء مراسيم ليلة تنزيل القرآن إلى السماء الدنيا في أفضل الشهور قربة ومثوبة و في ليلة خير من ألف شهر.

لنتطلع كل سنة إلى السماء ونتشوف إليها، ونحن مثقلون بمستجدات أحداثنا ووقائعها وشدة وقعها. ففي جو تبتلي روحي استغفاري في شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار نستلهم من الوحي في أصوله وصفائه ما يؤطر حياتنا ومعاشنا ومستجدات واقعنا، لتكون أكثر إنسانية وعطاء وتجددا يعمر طيلة عمر الوليد من ليلتها إلى1000شهر، بما يزيد عن معدل أعمار أمته صلى الله عليه وسلم الذي هو ما بين  الستين والسبعين .إنها مقاربة المراجعة والتجديد والانشداد إلى السماء في استشراف مستقبلي في شهر فضيل. إنها ملحمة التمثل البشري المتجدد للمثل العليا الربانية كل سنة حتى لا نحول الوحي الالهي الذي لا تنقضي عجائبه إلى طقوس مبهمة لا مدلول لها في حياة الناس، و نحول الصالحين من أمتنا إلى يغوت ويعوق ونسرا جدد. لكن كثيرا من المسلمين عميت أبصارهم عن الدلالات السيميائية لليلة القدر فحولوها إلى طقوس التلاوة لا المدارسة، والعادة لا التجديد والملائمة، والسهر والقراءات والركعات لا الاستبصار والاعتبار وبعدها تطوى السجادات وينحبس الناس في خوض يلعبون من جديد إلا من رحم ربك.

فاللهم لا تجعلنا من الذين يكرهون عبادك فيك بأقوالهم وأفعالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، آمين.

وحرر بتاريخ 22جمادى الثانية 1435

           22أبريل 2014  

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع