المقالات

منطق الدولة العميقة

شكل "الربيع العربي" حدثا بارزا في السياق التاريخي الحديث بعد عقود عجاف امتدت إلى نصف قرن أو يزيد،تحددت معالمها في تكريس الاستبداد بكل تجلياته و"الحكرة" الاجتماعية، مما جعل المواطن العربي يعيش حالة من الغربة في وطنه لا يفهم ما يجري حوله، حيث انعدام العدالة الاجتماعية وإهدار الثروة البشرية والمادية وفق مخطط معد سلفا يروم خدمة الغريب وإذلال الابن البار.وتم "إبداع "مفاهيم اجتماعية واقتصادية وسياسية كانت وسيلة لمزيد من التحكم واستنفاد الطاقة والحصول على المواقع.

وبعد موجة الربيع العربي – الربيع الديمقراطي- ، تنفس المواطن البسيط عبق الحرية وبدأت معالم الإنسانية تترسخ أمامه ،فثار واحتج وصاح بصوت عال :" كفى من الفساد والاستبداد" واهتزت  قلاع المفسدين الدين لم يصدقوا ما حدث فأصبح الفارس المقدام  منبوذا خائنا فارا إلى خارج الحدود(تونس)، وبدأت مرحلة التأسيس لانتقالديمقراطي  حقيقي يروم القطع مع كل أشكال الفساد، فكان من ثمرة ذلك إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق أدبيات الديمقراطية بدءا من إنتاج دساتير جديدة والتصويت عليها وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة لأول مرة في تاريخ هده الدول  مما أغاض ربابنة سفينة الفساد والبوار.

إلا أن هذا الانتقال الديمقراطي أصبح محط أنظار المتربصين لتحين الفرصة وإعادة صياغة الاستبداد في حلل جديدة فطفا على السطح مصطلح  قديم  جديد" الدولة العميقة"، فهي دولة داخل الدولة الأصلية والقائمة، متجذرة وأعمق مما نتصور تجد لها جذورا ممتدة  في بنية الدولة وهياكلها تتنوع آليات اشتغالها ،إنها تمكنت من اكتساب مهارات التسلط والتموقع واختراق المؤسسات إنها ذات أبعاد زئبقية تتفلت ولا تكاد تدرك مما يصعب مهمة  مواجهتها.

وما يميز الدولة العميقة أنها ظاهرة عامة تنطلي على  جميع الدول تتصدى لكل محاولات الدمقرطة والإنصاف وتستحوذ على المؤسسات الصلبة للدول.

وتتحدد أهم معالم الدولة العميقة وآليات اشتغالها في العناصر التالية:

1- فبركة المشهد السياسي وإضفاء نوع من الغموض عليه مع إنتاج خطاب سياسي عقيم رغبة في تنفير المواطن منه وخلق "رموز" سياسية ناطقة باسم فلسفة الدولة العميقة دون الإعلان عن ذلك.

2- التوظيف السياسوي الضيق لوسائل الإعلام المختلفة لتكون طرفا في المعادلة السياسية ،حيث تعمل على نشر الأكاذيب والمغالطات والإشاعات بغرض خلق موقف شعبي ضد طرف سياسي معين..."اكذب اكذب حتى يصدقك الناس".....فعوض أن يكون الإعلام ناقلا للحقيقة يصبح متخبطا في الإسفاف بعيدا عن المهنية والفضائل المؤطرة للحقل الإعلامي.....حيث يصبح الأسد فأرا والذئب حملا وديعا(مصر نموذجا).

3- إثارة قضايا هامشية بغرض تلهية المواطن عن التحديات الحقيقية : العدالة الاجتماعية،المواطنة،الإنتاجية........

4-إنتاج خطاب إعلامي تيئيسي يروم التقليل من أهمية الأوراش الإصلاحية المفتوحة واتهام من صوت عليهم الشعب بانعدام التجربة في التدبير وعدم الوفاء بالوعود الانتخابية.

5- الاستثمار الدنيء لعامل الزمن في تصفية حسابات سياسية ضيقة :الحكومات المنبثقة من صناديق الاقتراع بعد مرور ثلاثة أشهر لم تحقق شيئا يذكر.....بعد مرور سنة .....أو سنتين لتغليط الرأي العام وتحميل هده الحكومات مسؤولية الأزمات على مر ستين سنة رغم أنها لم تتقلد التدبير الحكومي إلا بعد موجة الربيع الديمقراطي مما يؤشر على هزالة أصحاب هذا الاستثمار وسقوطهم في العبثية.

6- الحرص على التطبيع مع الفساد ليصبح أمرا اعتياديا ويتحول  مع مرور الوقت إلى "ضرورة اجتماعية ".

7-التصدي لكل محاولات الإصلاحات القطاعية المدرجة في إطار المأسسة والتقنين و العدالة الاجتماعية:النقل والإعلام  نموذجا بغرض خدمة أجندة معينة بعيدة عن قيم المواطنة الحقة.

8- الإبقاء على الاستفادة الغير المشروعة من الثروات الوطنية وتشجيع اقتصاد الريع الذي ينخر الاقتصاد ويتنافى مع القيم الدستورية.

9-فرملة مسيرة الإصلاح حتى لا تنسب لهدا الطرف أو ذاك لدوافع انتخابية "صبيانية" مما يمهد –في نظرها-ا-للتمكين السياسي لجهة معينة وضمنيا الموت البطيء للجهة المقاومة للإصلاح ويهدد مصالحها الاقتصادية والسياسية.

10- محاولة الحنين لتاريخ أسود قبل الربيع الديمقراطي واستنساخه بكل الطرق رغبة في نسف المكتسبات التاريخية والعودة إلى نقطة الصفر.

11- استغلال العمل النقابي كمطية للمطالب الاجتماعية بهدف تبخيس المنجزات الحكومية ،رغم أن الأرقام تكذب هدا الطرح.

إن هده الآليات وغيرها تتكامل لتحقيق مكاسب سياسية تعد مدخلا للتكديس الغير المشروع للثروة ، مما يطرح على الحكومات المنتخبة ديمقراطيا مزيدا من العمل الدؤوب وتبنيي آليات مشروعة  وفق مقاربة حضارية لمواجهة الحملة المسعورة للدولة العميقة يمكن إجمال هده الآليات في مايلي:

1-ترسيخ وتوسيع مجالات الحرية في جميع مرافق الحياة العامة فالإصلاح يتقوى ويبنى في جو الحرية وليس في جو الضبط والتحكم.

2-مأسسة المنجزات الحكومية ووضع الإطار القانوني المناسب مما يعزز هبة الدولة ويزيدها قوة في مواجهة الأزمات.

3- وضع إستراتيجية وطنية واسعةلإشراك الفاعلين السياسيين والاقتصاديين الفضلاء في عملية الإصلاح والبناء رغم اختلاف مشاربهم السياسية واهتماماتهم الفكرية مع وضع أرضية مشتركة للإصلاح .

4-عدم الانجرار وراء الأطروحات الهامشية مع الاستثمار الأنجع لعامل الوقت باعتباره محددا اقتصاديا.

5- تبني مبدأ التدرج في تنزيل المقتضيات الدستورية والإصلاحات الهيكلية دون السقوط في التأخير والبطء.

6- إنتاج مقاربة اجتماعية تؤكد على مسؤولية المواطن في صناعة الإصلاح ودوره الرئيس  في توجيه بوصلته نحو غد أفضل للأجيال القادمة.

7 الوفاء بالالتزامات المؤطرة لمسيرة الإصلاح وتبني مبدأ الوضوح التام في العلاقة مع المواطن.

إن خيار الاستقرار يشكل تحديا استراتيجيا يفرض على الغيورين تبني مقاربة حضارية شاملة تتحدد أبعادها في تجاوز حالة الأزمة التي عانت منها أوطاننا وفق أدبيات الديمقراطية  التشاركية والانفتاح المستمر على كل التجارب النوعية مما يعزز ثقة المواطن ويجعله فاعلا عضويا في مجتمعه يتصدى لكل محاولات الهيمنة والتحكم.

عبد الرحمان طه: باحث وعضو بمركز أطلس للأبحاث والدراسات الإستراتيجية للتنمية.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

التعليقات   

 
0 #1 mansouri 2014-06-06 18:53
qood article deep analysis
thank you
اقتباس
 

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع